والآخر : ما نهى اللّه عزّ وجلّ عنه من الأخذ والترك ، من الحرام ، بالضمير والجوارح .
وأما أحد الشيئين الآخرين : فترك الشبهات « 1 » خوف مواقعة الحرام وهو لا يعلم ، استبراء لذمته ، لتمام الورع ، كما قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من ترك الشبهات استبرأ لذمته ودينه وعرضه ، من واقع الشبهات ، فكأنما واقع الحرام » « 2 » .
وقال زكريا « 3 » ، عن الشعبي ، عن النّعمان ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم زاد عليه غيره ، فقال عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « فقد واقع الحرام ، كالراعي حول الحمى ، يوشك أن يقع فيه » « 4 » .
وأما الشيء الرابع : فترك بعض الحلال الذي يخاف أن يكون سببا وذريعة « 5 » إلى الحرام ، كما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ، حذرا لما به بأس » « 6 » .
وذلك كتركه فضول الكلام ، لئلا يخرجه ذلك إلى الكذب والغيبة ، وغيرهما مما حرم اللّه تعالى القول به ، ويترك بعض المكاسب ، مما تقل فيه السلامة للمكتسبين ، ويدع طلب الاكثار من المال ، خوفا ألا يقوم بحق اللّه جلّ وعزّ فيه ، إذا عزت فيه أسباب الحلال ، وقل العاملون بالورع والتقوى . وتركه مخالفته من قد جرب أنه لا يسلم معه ، وفراره من الشبهة ، خوفا ألا يسلم ، ويقل من معرفة الناس خوفا ألا يسلم ، ويغض عن بعض المطعم إذا أحس من نفسه أن ذلك يبطرها .
هامش
( 1 ) الشّبهة : الالتباس . و - ( في الشرع ) : ما التبس أمره فلا يدرى أحلال هو أم حرام ، وحق هو أم باطل .
( 2 ) أخرجه البخاري ( إيمان 39 ) ، ومسلم ( مساقاة 107 ) ، وأبو داود ( بيوع 3 ) ، وابن ماجة ( فتن 14 ) ، والدارمي ( بيوع 1 ) .
( 3 ) هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي ( 823 - 926 ه - 1420 - 1520 م ) أبو يحيى ، شيخ الإسلام . قاض مفسر ، من حفاظ الحديث . ولد في سنيكة وتعلم في القاهرة وكف بصره سنة 906 ه . نشأ فقيرا معدما . وولاه السلطان قايتباي الجركسي قضاء القضاة فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح . له تصانيف كثيرة منها « فتح الرحمن » و « تحفة الباري على صحيح البخاري » و « فتح الجليل » و « شرح ألفية العراقي » و « شرح شذور الذهب » وغير ذلك . الأعلام 3 / 46 - 47 ، والكواكب السائرة 1 / 196 .
( 4 ) أخرجه البخاري ( بيوع 2 ) ، ( إيمان 39 ) ، والترمذي ( بيوع 1 ) ، والدارمي ( بيوع 1 ) ، وأحمد بن حنبل 4 / 269 ، 270 ، 271 .
( 5 ) الذّريعة : الوسيلة والسبب إلى الشيء ( ج ) ذرائع .
( 6 ) أخرجه ابن ماجة ( زهد 24 ) ، والترمذي ( قيامة 19 ) .