تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
فهذه الخلة عون على الورع ، لا واجب عليه تركها ومجانبتها ، وكما قال عون بن عبد اللّه « 1 » ، قال بعض الحكماء : « دع أن تحلف صادقا ، وهو لك حلال ، مخافة أن تعود لسانك اليمين ، فتحلف كاذبا . ودع النصرة ممن ظلمك ، مخافة أن تعتذر » . وقال اللّه عزّ وجلّ :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ فصلت : 34 ] فقد سمي العفو حسنة ، والنصرة للنفس سيئة . فما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا الكثير من الحلال ، مخافة الحرام . وأهدى رجل لابن عمر أثوابا مروية ، فردها ، وقال : « ما رددناها عليك إلا مخافة الكبر » . وكان ابن عمر ، رضي اللّه عنه ، يسرع المشي ، ويقول : « هو أبعد لي من الزهو » . وعمر رضي اللّه عنه طلّق امرأته ، وكانت أحب الناس إليه حين ولي الخلافة ، مخافة أن يطيعها في غير العدل ، فلما قواه اللّه عزّ وجلّ ، أرسل يخطبها ، فوجدها الرسول قد ماتت . وغير ذلك تركنا ذكره لكثرته . واعلم أنّ أصل أمورك كلها وتمامها ، والذي يرتفع به العمل ويزكو ، هو أصلان : أحدهما : سلامة الصدر لجميع المسلمين . والثاني : إصلاح الكسرة ، والمعرفة من أين قرصتك . والآثار في تصحيح هذين الأصلين تروى من طرق شتى كثيرة ، ولكن أردنا الاختصار ، فتجار هذا الزمان كأنهم لا يؤمنون بيوم الحساب ، من الدخول في كل ما لا يجوز ، والتسارع إلى كل مأتم ، وإلى كل ما لا يجوز من المكاسب ، وترك ما تعهدوا به ، وركوب ما نهوا عنه ، لا يتورعون عن مكاسب أموال الظالمين ، ولا يجانبون أهل الرياء ، ولا أهل قطع الطريق والسلب . ولو قيل لهم : هل لكم في الدنيا حراما ، وتعذبون عليها في الآخرة ، وتنغض « 2 » عليكم عيشتكم في الدنيا بالهموم والأحزان والآلام ، بعد أن تكونوا مكثرين منها ،
هامش
( 1 ) هو عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود الهذلي ( توفي 115 ه - نحو 733 م ) خطيب ، راوية ناسب ، شاعر . كان من آدب أهل المدينة . وسكن الكوفة فاشتهر فيها بالعبادة والقراءة وكان يقول بالإرجاء ، ثم رجع ، وخرج من ابن الأشعث ثم هرب . وصحب عمر بن عبد العزيز في خلافته . الأعلام 5 / 98 ، والبيان والتبيين 1 / 178 ، وتهذيب التهذيب 8 / 171 ، وحلية 4 / 240 . ( 2 ) تنغّض العيش : تكدّر .