تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وكان ما احتجت به هذه الطائفة التي زعمت أنّ القعود عن الحركة أفضل عندهم وإنما الحركة في ذلك رخصة لضعفاء الخلق عن العقود ، حتى يكون الوقت عليهم وأرادا بما في أنفسهم ، فقدموا أنفسهم بخطأ التأويل ، وبزلل الهوى والرأي على أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى سيرة المرسلين ، وأقاموا الأكابر مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضوان اللّه عليهم مقام الضعف والوهن ، تقديما منهم لأنفسهم ، وإيمانا منهم - بخطأ منهم - بصحة رأيهم ، بلا خبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا آية من كتاب اللّه عزّ وجلّ . وهذا قول قد تبين خطؤه ، من وجوه شتى : فأما أولها : فما بين اللّه عزّ وجلّ من ذلك في كتابه ، فأمر المؤمنين أن يكون مأكلهم من طيبات ما يكسبون . وأما المعنى الثاني : فما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه » . وأما الوجه الثالث : فما كان عليه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأكابر أصحابه ، رضي اللّه عنهم . وأما الوجه الرابع : فما دل عليه العلم ، وثبتت عليه المعرفة ، وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه لما دعى إلى الثقة به ، والتوكل عليه ، بين العلم عما أراده من ذلك ، والذي بين العلم عنه من ذلك من معنى الثقة : أن تكون القلوب للّه عزّ وجلّ مصدقة ، وتكون بوعده موقنة ، وتكون إليه في كل حال ساكنة ، قد أغناها بضمانه عن النظر إلى شيء دونه . فإذا ملك خاصة القلوب ذلك ، وأقرت به الألسنة ، وحذره العلم باللّه تعالى والمعرفة به جلّ وعزّ من أن يميل إلى شيء دونه ، فأمنت القلوب في التوكل في حقيقة من حقائقه ، وفي مقام شريف من مقاماته . فإن أوجدها اللّه جلّ ثناؤه فضلا منه في سعي جارحة ، أو دلها الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأنها إلى اللّه تعالى مقرّبة ، وفي حال السعي بسعيها زائدة بما تعبدت به ، أو ندبت إليه أسرعت إلى ذلك لما ملكها من موافقة سيدها ، وجلّ عندها من قدر ما أشار إليه مما يقرب منه ، فكان السعي عن تمكن الرغبة في الطاعة الجامعة للقلوب ، من غير سآمة منها ، لما شمل فاقتها من خالص الموهبة ، وجزيل سناء الخصوصية ، وكان السعي في ذلك لصفاء ما في القلوب من تمكن السكينة ، وحقائق الثقة . وكانت القلوب بسعي الجوارح في ذلك زائدة بسعيها ، متمكنة في مرتبتها ، لا ينقص السعي عليها حالها ، ولا يجرها ذلك إلا إلى ما يقدح في ذكرها ، فكان هذا