وآخى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بين قيس بن الربيع ، وعبد الرحمن بن عوف « 1 » ، فقال قيس لعبد الرحمن : هذا شطر مالي ، ولي امرأتان ، أنزل لك عن واحدة ، وكان مال قيس المال الصامت الذي يرغب في مثله .
فقال عبد الرحمن : لا حاجة لي بذلك ، دلني على السوق ، فمضى إلى السوق متكسبا على نفسه ، فعاد وقد أصاب شيئا من سمن وإقط « 2 » ، وذلك لما عند عبد الرحمن من فضل الكسب ، وفضل الحركة ، لطلب الثواب .
وكذلك يروى للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أطيب ما أكل الرجل من كسبه » « 3 » .
فآثر عبد الرحمن الكسب على مال طيب ، هو مال رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا شك في أمره ، ولا في النفس منه شبهة ، عرض عليه من غير مسألة ، ولا إسراف من نفس .
فهذه حجتنا في الحركة ، من الكتاب والسنة ، وفعل أكابر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وكذلك كان التابعون من بعدهم ، ممن يجب علينا تقليدهم ، والأخذ عنهم ، وهم الذين ألزم اللّه عزّ وجلّ الخلق طاعتهم ، والاقتداء بهم ، فقال جلّ وعزّ :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
[ آل عمران : 32 ] . وهم أصحاب محمد عليه السلام ، ومن بعدهم من صالحي العلماء ، والأخبار في هذا والاحتجاج بها يكثر ، وفيما أوردنا وذكرنا من ذلك كفاية إن شاء اللّه .
ونسأل اللّه جلّ وعزّ خير التوفيق ، لإصابة الحق .
هامش
( 1 ) هو عبد الرحمن بن عبد عوف بن عبد الحارث ( 44 ق ه - 32 ه - 580 - 652 م ) أبو محمد الزهري القرشي ، صحابي ، من أكابرهم ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم ، وأحد السابقين إلى الإسلام ، وكان من الأجواد الشجعان العقلاء . اسمه في الجاهلية « عبد الكعبة » أو « عبد عمرو » وسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد الرحمن . ولد بعد الفيل بعشر سنين . وأسلم ، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها وجرح يوم أحد 21 جراحة وأعتق في يوم واحد وثلاثين عبدا . وكان يحترف التجارة والبيع والشراء فاجتمعت له ثروة كبيرة . له 65 حديثا ووفاته في المدينة . الأعلام 3 / 320 - 321 ، وصفة الصفوة 1 / 135 ، وحلية 1 / 98 ، والبدء والتاريخ 5 / 86 .
( 2 ) الأقط : لبن محمض يجفف ثم يطبخ ، أو يطبخ به .
( 3 ) أخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف 14 / 196 ) ، وابن كثير في ( البداية والنهاية 2 / 10 ) .