وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
[ البقرة : 282 ] فعلمهم كيف يصنعون في متاجرهم ، وبصّرهم في مكاسبهم .
وأما الحجة من سنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقول النبيّ عليه السلام : « أفضل ما أكل الرجل من كسبه » « 1 » .
وقد ذكرنا ما كان عليه أكابر أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذا آيات كثيرة من كتاب اللّه ، وأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متواترة ، وفي أقل مما ذكر يتبين خطأ هذه المقالة .
وأما المقالة الثانية ، فإنّ الحجة عليهم في ذلك أخذهم الذي تركوه من أيدي غيرهم ، فإن كان أخذهم لذلك من أيدي الأقوياء الذين كسبوا الشيء عندهم على حكم كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد سقط عنهم العذر في القعود ، وعليهم طلب الشيء من حيث طلبه هؤلاء .
وإن كان الأمر عندهم لضعف عن القيام بإحكامه غيرهم ، فقد أخذوا ما تركوا ، من أيدي أقوام يمكن عليهم التعدي في الطلب ، والتجاوز للحدّ في الكسب .
فأي الحالتين كانت حالهم فهو خطأ ، واللّه أعلم .
وجلس قوم آخرون ، وزعموا أنّ الجلوس عن الطلب أفضل عندهم من الحركة .
واحتجوا في ذلك بأن قالوا : لما ضمن اللّه للخلق أرزاقهم ، وتولى في ذلك كفايتهم وأخبر بقسم الشيء في الأوقات التي قدر إيصالها إليهم فيها ، كان انتظار الوقت ، وترك الحركة أفضل ، وكانت الحركة إباحة لضعفاء الخلق .
والحجة عليهم في ذلك بينة بما بينا من فعل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وما كان أكابر الصحابة عليه ، وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه جعل رسوله في أعلى الدرجات ، وأرفع المنازل ، وأتم المعارف ، وأكمل العلم ، وخصه من جزيل خصوصيته ، ورفيع هباته ، وسنى عطاياه ، ما بين به فضله على أكبر الأولياء ، وكذلك حركاته وسائر أعماله ، جعلها اللّه على قدر الموضع الذي جعله فيه .
وكذلك أصحابه رضوان اللّه عليهم ، على فضلهم ، وما ذكر من تقدمتهم ، كانت أعمالهم على قدر مواضعهم . وفيما وصفنا من ذلك ، واحتججنا به ، ما يتبين منه خطأ أصحاب هذه المقالة .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .