تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣

باب ترك الحركة في الكسب وما في ذلك من محموده ومذمومه

وقد ترك الحركة في الكسب أقوام ، على أمور مختلفة ، وأنا واصف بعضها إن شاء اللّه تعالى : فمن ذلك ما زعم شقيق ، واتبعه على ذلك أقوام . زعم شقيق فيما يروى ، عنه أنه كان يقول : إنّ الحركة في الكسب معصية . وذلك أنه قال : لما ضمن اللّه تعالى الرزق والكفاية ، كانت الحركة شكا فيما ضمن فحمل الأمر في ذلك على رأيه ، وقال فيه بزلله ، فخالف الكتاب والسنة ، وما عليه أكابر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجلة التابعين من بعدهم . وجلس أقوام تعرضوا للكسب قبل جلوسهم ، فلم يمكنهم إقامة الحق في كسبهم وضاقت عليهم المطالب في ذلك ، فجلسوا ، فطعنوا في المتكسبين ، وجعلوا ضعفهم عن القيام بالحق فيما جعل الفضل فيه لأهله إذا قاموا بأحكامه . وأخذوا من كسب المخلطين ، والمقدمين على الشبهة ، وجعلوا الأخذ من أهل هذه الصفة أفضل عندهم من التحري في المكسب ، وأخذ الأمر حتى يبلغهم الإجهاد . فكان مقامهم في ذلك مقام من تنزه عن شيء من كسبه ، وأخذ من كسب غيره ما هو أشر منه وأخبث في الطعمة ، فغلطوا فيما أقاموه دنيا . أما الحجة على شقيق وأصحابه فمن كتاب اللّه تعالى ، وسنة رسوله عليه السلام ، والنبيين من قبله ، وخيار أصحابه من بعده ، رضي اللّه عنهم . فأما الحجة من كتاب اللّه ، فإنّ اللّه تعالى قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[ البقرة : 172 ] . وقال سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
[ النساء : 29 ] . وقال جلّ ثناؤه :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النور : 37 ] . فمدح إقامتهم لذكر اللّه ، في وقت التجارة . وقال جلّ وعزّ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
[ الجمعة : 9 ] . فأمرهم بترك البيع في وقت محدود يوم الجمعة .
المسائل — صفحة 133 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور