فكانت إقامة الشغل به عليهم آثر عندهم من التشاغل بغيره ، لما بان من فضل موافقته فيما دعا إليه ، وأمر به .
فهذه صفة سعيهم ، ولم يكن السعي في ذلك قادحا في صفاء الذكر القائم لهم ، ولا منقصا ما خصوا به من حال قرب القلوب ومراتبها ، وحال المنازل المرجوة لهم من السيد الكريم . فهذه صفات حركات الصديقين والأولياء في المكسب .
والدليل على ذلك فعل أبي بكر الصّديق ، وعمر الفاروق ، وعثمان ذي النورين ، وعليّ بن أبي طالب ، وأكثر أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، من المختارين لصحبته ، المنتخبين لمعونته ، سرج الأرض ومصابيحها ، وزهرة الدنيا وزينتها ، المقدمين بالفضل على خواص الأمم السالفة ، والسابقين غدا بالطاعة في الآخرة ، خلف الأنبياء عليهم السلام ، وأئمة الحق ، وحملة العلم ، ومعادن الحكمة ، ومناهل التقوى ، والقوّام بنوائب الدين وشرائعه ، الذين بين اللّه عزّ وجلّ فضلهم بباطن الحكمة ، على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عزّ وجلّ :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
[ الفتح : 29 ] .
وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] .
وقال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأنفال : 64 ] .
وقال عزّ وجلّ :
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
[ الفتح : 18 ] .
فمدح أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مواضع كثيرة من كتابه ، وهم أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء عليهم السلام ، وأعمالهم أفضل الأعمال وأشرفها ، ومقاماتهم أرفع المقامات وأعلاها ، ولذلك قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
« لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » « 1 » .
وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « خير أمتي أولها » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 6 / 6 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 16 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 32522 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 6 / 172 ) ، وابن كثير في ( التفسير 7 / 344 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( فضائل الصحابة 1 ) ، ( رقاق 7 ) .