فمن كانت حركاته في طلب الرزق على ما وصفنا ، من إقامة الحق ، والوقوف على تجاوز الحدود ، وتصحيح الورع في المتجر ، وفي الصناعات ، وفي كل المضطرب فيه ، كان للّه جلّ وعزّ بذلك مطيعا ، محمودا عند أهل العلم . ومن خالف شيئا مما وصفنا ، فتعدى في الحركة ، وتخلف عما يجب عليه من الصدق ، كان بذلك مذموما ، قد نقص بذلك توكله ، ولم يؤد فرضه ، ولم يقع عليه الاسم الذي يقع بإقامة الحق على غيره .
وذلك أنّ المذموم بتعدي الحد خالف ما أمر به من إقامة الحق ، ومعه الاعتراف بخطأ فعله ، والتوبيخ لنفسه عند الرجوع إلى الفكرة في أمره ، مقرّ بأنّ ذلك الفعل معصية لربه ، والعقود قائمة بما وصفنا ، بما أثبت له الاسم . ولن يزول عنه ما أوجب له عقد القلوب ، والاعتراف بالألسنة ، إلا بالإنكار لذلك ، والخروج منه بالجحد له ، والشك فيه ، وقد بينا هذا في أول الكتاب .
فهذه صفات المذموم في حركته .
وأما المحمود من الحركة ، فأولها ما وصفنا من إقامة الطاعة للّه سبحانه في الحركة ، وتحري الموافقة للّه سبحانه بما فيها ، والوقوف عند تجاوز الحدود ، حتى يكون موصوفا في ذلك بإحكام الورع ، وشدة الحذر ، وإقامة التقوى . فإذا قام بذلك على شرائطه ، كانت هذه أول الحركات المحمودة التي أباحها اللّه عزّ وجلّ له .
ومن الحركات المحمودة ، مما هي أرفع في الدرجة ، وأعلى في الرتبة ، ما وصف اللّه سبحانه به أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ووصفهم من المقامات فيه ، وجلة التابعين من بعدهم ، وخواص المؤمنين ، في سائر الأزمنة والدهور ، الذين بانوا بفضل الخصوص في التوكل ، وفي سائر المنازل على عوام الخلق ، فكان فضلهم بذلك على غيرهم معروفا ومقامهم عند اللّه رفيعا ، وهو حقيقة التوكل ومحكمه ، والتعالي في ذروة ما أقيم فيه الأنبياء والصديقون ، وخواص المؤمنين .
وبعد إحكامهم لفرض التوكل في أصله ، بانوا بفضل المعرفة على غيرهم ، والزيادة في العمل بها للّه جلّ ثناؤه ، من طهارة القلوب ، وإدامة الذكر ، وكثرة التقرب إلى اللّه سبحانه بالنوافل ، وبذل الطاقة والجهد نصيحة لأنفسهم ، وطلبا للحظوة عند سيدهم .
فكانت هذه الأخلاق الغالبة عليهم مانعة من الحركة التي أبيحت لهم ، وقد حظرت عنهم لقلة ما فيها من الذكر للسيد الكريم ، وإيثارا منهم لما يقرب إليه من ذلك ، لما بان لهم من فضل العمل للّه جلّ وعزّ بطاعته ، وإيثارا منهم لما ندب إليه من ترك الشهوات ، والتجافي عن دار الآفات .
المسائل — صفحة 126
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٢٦