فالرجل راع لما استرعى ، يجب عليه القيام بأمرهم ، من أمر الدين والدنيا ، وكذلك من أوجب اللّه تعالى عليه عيلته ، وفرض عليه القيام بأمره ، من الآباء والأمهات والأزواج ، وصغار الأولاد ، الذين لم يختلف المسلمون في أن أمورهم واجبة ، وأن تركهم معصية ، إذا كانوا في حال الحاجة .
وكذلك قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء شرا أن يضيع من يعول » .
ولا يكون قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء شرا » وهو لا يجب عليه عيلتهم ، ولا حينما تكون عيلتهم تطوعا منه ، يتطوع به ، لأنّ الشر بلاء واقع ، وعقوبة نازلة ، واللّه جلّ ثناؤه لا يعاقب على ترك ما لا يجب ، وإنما أخبرنا أنّ وعيده وعقوبته واقعة على من عصاه ، وخالف أمره .
فسعيهم في الأمور تحرمنهم للموافقة ، ورغبة منهم في الطاعة ، وليس سعيهم في ذلك كسعي من أراد الكثرة ، لما بانوا به من الاشتغال بما هو أولى بهم . وآثر في نفوسهم ، فإن وجب شيء من ذلك ، وسعوا فيه ، كان سعيهم والقلوب إلى اللّه جلّ وعزّ في ذلك ناظرة ، وإليه فيه ساكنة ، بدوام ذكر مباشر لقلوبهم ، ودوام معرفة مغشّية لهم ، واستجابة للّه متصلة بهم .
قد نفرت القلوب لذلك من أسباب الخليفة ، وانقطعت من مطامع الريبة ، وأعتقت من ربقه الأسباب ، ورقّ أهل الدنيا ، وتفردت في كل حال بوليها ، والقائم عليها بما كسبت ، والعالم بها في مكنون ضميرها .
لا يفترون في سعيهم عن مواصلته ، ولا يقصرون عن شيء أمر به ، من حيث بلغته العقول المذكاة بفطن الفهم عنه ، وأوصل إليه غليان العلم والمعرفة به .
وكان سعيهم في الكسب على وصفنا من أفضل القرب إلى سيدهم ، وأخص الأعمال في حال منازلهم .
هامش
- الباري 2 / 380 ؛ 5 / 181 ؛ 9 / 354 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 3 / 48 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 318 ؛ 6 / 327 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 14710 ، 20649 ) ، وأبو نعيم في ( تاريخ أصفهان 2 / 318 ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد 2 / 284 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 3 / 69 ) ، والقرطبي في ( التفسير 5 / 258 ؛ 18 / 195 ؛ 10 / 259 ) ، والألباني في ( السلسلة الصحيحة 1636 ) ، وابن الجارود في ( المنتقى 1094 ) ، والخطيب البغدادي في ( الفقيه والمتفقه 1 / 47 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 4 / 228 ؛ 5 / 276 ؛ 11 / 402 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 225 ) ، والعقيلي في ( الضعفاء 1 / 49 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 1 / 264 ، 265 ؛ 5 / 1967 ) .