تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
فكانوا بذلك عن حركات الطبع متجافين متشاغلين ، وبكل داع يدعوهم إلى غيره مستثقلين ، وعن كل فترة تميل بهم إلى الراحة نافرين ، وإلى كل حاد يحدوهم إلى الزيادة ساكنين ، وعلى العمل المقرب لهم إلى اللّه عاكفين . قد جمعت لهم الطاعة مرادتهم فيها على قدر الإقبال عليها ، وأوضحت لهم سبل الرشاد فيها ، فلم يريدوا بما أدركت أيدي الظفر منهم بدلا ، ولم يبغوا عن شيء من ذلك حولا . وأصحبوا في ذلك توفيقا من سيدهم ، ومعونة قائمة بالكفاية لهم ، وخفي لطف غير مقطع عنهم ، فدام لهم الحال ، وزكت الأعمال ، ووجدوا الظفر بالآمال ، ولم يجدوا عند ذلك هوى غالبا ، ولا عدوا مطالبا ، ولا أملا في النفوس كاذبا . أمات العلم باللّه لهم أهواءهم ، وغلب لهم أعداءهم ، وجمع لهم شملهم ، وأحكم لهم أمرهم ، وكان التوفيق لهم صاحبا ، وخفي اللطف من اللّه دائما ، والتأييد لهم من سيدهم مرشدا . فكانت هذه صفاتهم ، وهي في التعالي في ذلك على قدر أقدارهم ، وما أداهم فضل العلم باللّه تعالى ، إلى سبيل العمل به ، بالاشتغال بدوام الأعمال ، على قدر الرفعة في الحال . وكانت هذه الحركات هي الغالبة عليهم دون غيرها من الحركة ، وكان الغالب على قلوبهم محبتهم للموافقة ، وتحريهم للموصل إلى اللّه سبحانه من الأعمال دون ذكر ما كفاهم ، وضمن لهم من الأرزاق وغيرها . فلم يكونوا للأوقات مضيعين ، ولا باستجلاب ما كفوا متشاغلين ، ولا لما أحب الخلق من الاستكثار محبين ، إلا أن يكون لسيدهم في ذلك أمر جعل لهم الفضل فيه ، وندبهم إلى القيام به ، مثل قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء شرا أن يضيع من يعول » « 1 » . وقوله عليه السلام : « كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 194 ) ، والحاكم في ( المستدرك 1 / 415 ؛ 4 / 50 ) ، والحميدي في ( المسند 599 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 20810 ، 44495 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 318 ) ، وابن المبارك في ( الزهد 56 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 34 ) ، والبخاري في ( التاريخ الكبير 8 / 164 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 135 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 2 / 6 ؛ 3 / 196 ؛ 4 / 6 ؛ 7 / 34 ، 41 ؛ 9 / 77 ) ، وأبو داود في السنن ( الخراج ب 1 ) ، والترمذي في ( السنن 1705 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 5 ، 54 ، 111 ، 121 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 6 / 287 ؛ 7 / 291 ؛ 8 / 160 ) ، وابن حجر في ( فتح -