والدليل على ذلك أنّ اللّه جلّ وعزّ قال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
[ البقرة : 168 ] .
وقال عزّ وجلّ :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النور : 37 ] .
فأباح لهم الحركة ، ومنعهم التعدي لحدوده ، جلّ ثناؤه .
وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أطيب ما أكل المؤمن من كسبه » « 1 » .
فكان دليلا على ما وصفنا من إباحة الحركة في طلب الرزق ، وأنّ المتحرك في طلبه لا يخرج من فرض التوكل ، في كتاب اللّه ، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وما كان عليه أكابر أصحابه ، رضي اللّه عنهم .
وقد زعم قوم : أنّ التوكل لا يثبت لأهله إلا بترك الحركة في طلب الرزق ، والقعود عن الاضطراب . فمنعوا أن يكون في ذلك إباحة من كتاب اللّه تعالى ، وسنة رسوله عليه السلام . فجهلوا ما أخبرنا من إسماعيل بن إبراهيم ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عائشة ، رضي اللّه عنها ، قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل ما أكل الرّجل من كسبه » .
وهذا خبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا يدفعه أهل العلم والنقل ، ولا أعلمهم يختلفون فيه .
وقد روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما بعث اللّه نبيّا إلّا رعى الغنم » « 2 » قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط « 3 » » « 4 » .
وخرج صلى اللّه عليه وسلم في بدء أمره يريد الشام للتجارة .
وقال اللّه جلّ ثناؤه في قصة موسى عليه السلام :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
[ طه : 17 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي ( بيوع 1 ) ، وابن ماجة ( تجارات 1 ) ، والدارمي ( بيوع 6 ) ، وأحمد بن حنبل 6 / 31 ، 42 ، 127 ، 177 ، 193 ، 220 .
( 2 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 3 / 116 ) ، وابن سعد في ( الطبقات الكبرى 1 / 1 / 80 ) ، وابن كثير في ( البداية والنهاية 2 / 295 ) .
( 3 ) القراريط : ( ج ) القيراط : معيار في الوزن ، وفي القياس : فهو في الوزن أربع قمحات وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءا من الفدّان .
( 4 ) أخرجه ابن حجر في ( فتح الباري 4 / 441 ) .