وذلك أنّ اللّه سبحانه وصف الخلق في جملتهم فقال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ آل عمران : 14 ] .
وقال سبحانه :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
[ القيامة : 20 ] .
وقال تعالى : خلق الإنسان عجولا [ الإسراء : 11 ] .
فأخبر سبحانه وجلّ ثناؤه بما في طبع الإنسان والخلائق من ذلك ، وأن هذه الصفات قائمة في البشرية . فالمؤمنون في جملتهم موصوفون بالتوكل على اللّه تعالى ، بما اعتقدوا مما وصفنا ، وإن كانت هذه الحركات من الطبع معهم .
والدليل على ما قلنا : إنّ المؤمنين في جملتهم يسلم لهم عقد الإيمان باللّه تعالى ، والتوكل عليه ، كما وصفنا ، من اعتقادات القلوب ، وإقرار الألسنة ، بأنّ اللّه تعالى قال :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الذاريات : 22 ، 23 ] .
فأقسم جلّ ثناؤه بنفسه أنه قسم الأرزاق بين الخلق ، وأمضى الضمان بالكفاية لهم ، فكان على الخلق تصديقه فيما أخبر وأقسم .
فمن صدق في ذلك ، كان بتصديقه وإيمانه مؤمنا متوكلا .
ومن كذب أو شك ، كان بذلك معاندا كافرا ، بما قصّ علينا جلّ ثناؤه في كتابه .
وإن لم تزل حركات الطباع ، وما في الخليقة من محبة الكثرة ، وتعجيل الوقت ، والتسبب إليه بالأسباب ، فلم يزل اللّه سبحانه عنهم اسم التوكل ، إذ كانت العقود على ما وصفنا ثابتة في القلوب ، وكانت الموافقة لهم في حركات الطباع متبعة ، لأنّ ما في الطباع من الحركة لا يخرجهم مما أوجبنا من التصديق لهم ، لأنّ اللّه تعالى لم يستعبدهم بإزالتها ، وإنما استعبدهم بإقامة الطاعة ، وأخذ الشيء من حيث أباح أخذه .
فإذا أقاموا ذلك ، وكانوا للموافقة للّه عزّ وجلّ في الحركات متبعين ، فلا تضرهم صفات الخلقة ، وما في تركيب الطباع ، إلا أن يجاوزوا في ذلك حدود اللّه عزّ وجلّ ، فيأخذوا الشيء من حيث حظره اللّه عليهم ، فيكونوا عصاة للّه عزّ وجلّ بذلك العلم ، ولا يخرجوا من الاسم المحمود إلا بحلّ العقود التي وصفنا ، أو جحدها بالألسنة .
فإذا كان الاعتراف للّه تعالى ثابتا ، والألسنة به مقرة ، فلما جاوزوا الحدود نقص اسم التوكل ، فيكون توكلهم لذلك ناقصا ، وفرائضه غير تامة ، لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أباح للخلق الحركة في الطلب ، ولم يكلفهم إزالة ما في الطبع .