تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وساق إليه في خفى مكانه الرزق ، وأدى إليه على غامض موضعه الغذاء ، وحفظه من الآفات ، ودفع عنه المكروهات ، حيث لا يملك ذلك الآباء والأمهات ، ليبلغ سابق العلم فيه ، ويجري قديم الحكم عليه . ثم نقله جلّ وعزّ من هذه الحال ، إلى دار الزوال ، بعد أن كتب له عمله ، وضرب له أجله ، وقسم له رزقه . فسبحان من تقدم علمه بما الخلق عاملون ، وإلى ما هم إليه صائرون ، سبحانه من حكيم عليم ، لا شريك له في ملكه ، ولا مقاوم له في عزّه ، ولا مانع له في أمره ، الفرد المتفرد بالأمر كله ، جلّ ثناؤه الملك الخبير ، العالم القدير ، الذي بفضله دلّ الخلق على نفسه ، وبكرمه دعاهم إلى عبادته ، وبرأفته خوفهم من عقوبته ، الغني عن عبادة العالمين ، وعن طاعة المطيعين ، الذي عطف برأفته على الخلق ، ودعاهم إلى عبادته ليثيبهم على ذلك بعطيته ، ويكرمهم بالموافقة لجنته . سبحانه وبحمده ، فقد علم جلّ ثناؤه أنّ جوامع عقول الخلق من أصل سماواته وأرضه ، ومنافع نهايات صفات ألسنتهم ، وغايات عقائد محكم معرفتهم لو جعلت في عبد واحد من عبيده ، ثم مثل عطاء ذلك العبد في سائر خلقه ، ثم أضعفوا وأضعف لهم العطية ، وقسم ذلك بينهم بالسوية ، ثم أديم ذلك لهم عطاء وعددا كأسرع ما أدركته الصفة ، في دائم أبد الأبد ، على بقاء الخلد ، الذي ليس له أمد ، ثم أوقفوا ليبلغوا بذلك ما يجب له لعجزوا عن القيام بذلك ، ولرجعوا إليه بالصّغر مقرّين ، وبالعجز معترفين . فسبحان من هذه صفته على قدر إدراك ما بلغت العقول ، وأومت إليه المعرفة ، فكيف بما غاب عن الخلق من العلم بصفاته ، سبحانه . وإنما بلغت لهم عظمته ، وأدركت أيدي الظفر منهم بهيبته ، على قدر الخلق ، وما تحتمل من ذلك عقولهم ، وتقوم له أرواحهم ، وتنهض به أبدانهم . ولو كشف سبحانه عن بعض ما ستره عنهم لساخت بذلك أرضه ، ولتمزقت سماواته ، ولتلف سائر خلقه ، فسبحان الحكيم الخبير ، الذي لطف بخلقه بما ستر عنهم من أمره ، ورحمهم بما غيب عنهم من قدرته ، ليتم أمره في خلقه ، وتنفذ مشيئته عليهم ، ويمضي قديم علمه فيهم . فكان مما دبرهم به الحكيم سبحانه أن جعلهم أجسادا لا تقوم إلا بالأغذية ، ولا يدوم بقاؤها إلا بالأطعمة ، فضرب الآجال ، وقسم الأرزاق ، وختم أمر الدنيا بالفناء ، فقال