بسم اللّه الرحمن الرحيم عونك اللّهم
[ مقدمة المحاسبي ]
قال أبو عبد الحارث بن أسد بن عبد اللّه المحاسبي ، رحمه اللّه :
الحمد للّه القاهر بقدرته ، الظاهر بعزته ، الغالب بجبروته ، الذي بدأ خلق ما خلق من غير سبق ، بل هو الأول قبل الأبد ، والآخر إلى غير أمد ، المنشىء لما شاء بمشيئته ، لما سبق ذلك من علمه ، واستتر في خفي غيبه ، فكان أمره جلّ ثناؤه
إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] بمحكم من الصنعة ، وإتقان من الحكمة ، بتفصيل عقائد أحكمها بتدبيره ، وأجراها بعلمه ، وأبقاها بقدرته ، على ما أراد من ذلك في اختلاف الأزمنة ، وتقلب الدهور ، ليبدو المغيب المعلوم عند أوانه ، ويزول الكائن الموقوت لأجله .
فسبحانه من
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ يس : 83 ] ، وله الحمد جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، على ما يستحق من ذلك على خلقه ، وكما هو أهل لذلك في كبريائه ، وعظمته وجلاله .
وجلّ المخبر عن نظر خلقه لما كان عن العقول غائبا ، وعن الأوهام في غيبه محتجبا ، ليدل الخلق بذلك على نفسه ، وإلى إثبات توحيده ، وينبههم بذلك على معرفته ، ليعرفوه بالقدرة ، ويفردوه بالأمر كله ، وليعلموا إنما هو إله واحد ، لا إله إلا هو سبحانه ، فقال جلّ ثناؤه في محكم ناطق من التنزيل :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
[ ق : 38 ] .
وقال جلّ ثناؤه :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا