قلت : وكيف يجمع ذلك وقد أبحت النظر ؟
قال : لأنّ النفس تحبّ أن تنظر بتعمد اللذة ، فمنعها ذلك ولم يطعها ، فلما نظر إلى ما أبيح له وجدت النفس ظفرا بما كانت تطالب به من قبل النظر بالتلذذ ، فدعته بما أبيح .
وقد جمع إلى ما أبيح له معنى ثانيا بالتلذذ للمنظور إليه ، ثم تعمد النظر .
وإنما مثل ذلك مثل رجل لقيه رجلان . أحدهما تقي والآخر فاجر ، فقال لهما : يا فاجران ، وكانت كلمة واحدة وهو فيها صادق وكاذب . وكذلك لو قال لهما : يا تقيان كانت كلمة واحدة هو فيها صادق وكاذب .
قلت : وكيف كانت كلمة واحدة صدقا وكذبا ، والصدق ضدّ الكذب والكلمة لا تكون كلمتين .
قال : لم يجب عليه الصدق والكذب من قبل تضاد الكلمة ، ولكن معه للكلمة قصدان ، قصد بكلمة واحدة ليصدق على هذا ويكذب على هذا . وكذلك قصد بنظرة واحدة لينال ما أبيح ، ويلتذ بما حرم .
وكذلك الرياء لم يتضاد من قبل الطاعة بالجوارح فيكون طاعة ولا طاعة ، ولكن معه قصدان ، أراد بأحدهما اللّه ، وأراد بالآخر غير اللّه ، فهو مطيع بالجوارح ، غير مطيع للّه تعالى إذ أشرك مع القصد إليه القصد إلى غيره .
وقد يدخل أيضا على المريد خدعة ، وذلك أن يكون متلذذا بحسن المنظور إليه من صوت يسمعه ، أو من قربه ، أو خيال يراه ، أو حركة مشي ، أو غير ذلك .
فلا يعمل بصره بالاشتغال عن الفجأة ، لأنه إذا فجأه لم يقع بصره عليه ، فيدع بصره مفتوحا في الجهة التي لا بد للمنظور أن يلقاه فيها ، محبة من النفس أن يفجأها المنظور إليه . فإذا فجأه صرف بصره ، وعد نفسه متورعا غاضا ، وقد أقر بصره في الجهة التي يعلم أنّ المنظور إليه يفجؤه فيها بالعمد .
ومثل ذلك رجل قيل له : دخلت فلانة من باب البيت ، فهو ينظر إلى باب البيت فأقر بصره بالنظر إلى باب البيت ، والنفس تنتظر أن تدخل من الباب فيقع عليها البصر ، فتدرك ما تريد من اللذة .
وقد يدخل أيضا على المريد خدعة . أن يفجأه المنظور إليه ، فيكون بين يديه ، وهو ماش من خلفه فلا يسرع فيتقدم . فيرى أنه إذا مشى كمشيه الأول قبل أن يصير المنظور إليه بين يديه أنّ ذلك مباح ، ويغض بصره إلى الأرض ، فإذا احتاج إلى رفعه لينظر ما بين
المسائل — صفحة 110
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١١٠