وقد خوصم ابن عباس ، فقيل : أينذر في معصية اللّه فيكفر عن يمينه ؟ قال : ألم تسمع اللّه تعالى يقول في المظاهر :
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
[ المجادلة : 2 ] فأمر فيه بالكفارة .
إلا أنّ ابن عباس قال بخلاف هذا في معنى واحد ، للذي نذر أن ينحر ولده ، قال :
لينحر بدله كبشا . وذهب إلى ما أمر اللّه به سبحانه إبراهيم عليه السلام من الفداء لابنه .
وسنّة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أولى أن تتّبع في ذلك ، وهي كفارة يمين .
فأما النذر الذي يسمى ويطاق ولا معصية فيه فهو كالرجل ينذر أن يصلي ركعات معلومة ، أو يصوم صوما معلوما ، في أيام يحلّ فيها الصوم ، أو الحج إلى بيت اللّه وهو مطيق لذلك ، فعليه الوفاء به . إلا أنّ العلماء اختلفوا في خصلة واحدة من ذلك ، في الرجل يجعل للّه عليه نذرا أن يتصدق بجميع ماله .
فقالت فرقة من العلماء : عليه أن يخرج ذلك كله إذا كان نذرا . فأما إذا كان يمينا فلا ؛ لأنّ النذر ما أراد به الشكر والطاعة ، واليمين غير ذلك على الغضب وغيره ، واحتجت بما يرويه الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « لا نذر في غضب ، وكفارته كفارة يمين » « 1 » .
وقال رجل لابن عباس : إني نذرت نذرا ، قال : في غضب أم في رضى ؟ قال : لا ، بل في غضب ، قال : « اللّه لا يتقرّب إليه بالغضب » .
وروى ابن عمر وأبو هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ قال : إنّ النذر لا يأتي بشيء لم أقدره ، ولكن استخرج به من البخيل » « 2 » . فأخبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنّ النذر شيء يتقرب به إلى اللّه ، وليس هو كالإيمان على الغضب .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في سننه ( الإيمان والنذور ب 41 ) ، والنسائي في ( السنن 7 / 28 ، 29 ) وعبد الرزاق في ( المصنف 15815 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 433 ، 439 ، 440 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 10 ، 70 ) ، والحاكم في ( المستدرك 4 / 305 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 46471 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 13 / 56 ) ، وصاحب ( شرح معاني الآثار 3 / 129 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 6 / 2210 ) ، وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 1324 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( قدر 6 ) ، ( أيمان 26 ) ، ومسلم ( نذر 3 ، 7 ) ، وأبو داود ( أيمان 18 ) ، والترمذي ( نذور 11 ) ، والنسائي ( أيمان 24 - 26 ) ، وابن ماجة ( كفارات 15 ) ، والدارمي ( نذور 5 ) ، وأحمد بن حنبل 2 / 61 ، 235 ، 242 ، 301 ، 314 ، 373 ، 412 ، 463 .