تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
فبين النظرة الأولى وبين الثانية فصل من المخدوعين بإقرار النظر كما وصفت لك ، مع اعتقادهم الصرف للبصر . قلت : كيف لي بأن أعلم أني صرفت بصري بلا خدعة بفصل بين النظرتين ، إذ حسبتهما نظرة واحدة وهما نظرتان قبل صرفي بصري ؟ قال : إنّ اللّه تعالى لم يوجب عليك أن تصرف بصرك بالالتفات ، ولا برفع ولا بخفض . إنما هذه أسباب استعان بها المتقون ليسارعوا في الغض ، ويمسكوا أبصارهم ، أن تغلب إلى النظر ، وإنما أوجب عليك الغض وإن لم تلتفت ، وإن لم تنكس ، ولم ترفع . والغض كف عن المنظور إليه ، ويكون بشيئين : أحدهما : سرعة تغميض العينين ، حيث يمكن التغميض ، لأنه قد لا يمكنه التغميض إذا لم يكن بد من النظر ، حيث يضع قدمه إن كان ماشيا . ومنه إشغال البصر حيث فجأة المنظور ، فيشغله بغير المنظور إليه ، كيلا يتبين المنظور إليه ، لأنّ العين إن كانت مفتوحة مع صحة البصر تبينت الأشياء ضرورة ، فإن لم يشغلها بغير المنظور إليه تزيد في المنظور إليه ، فليس ينصرف عن التزيّد في نظر الفجأة إلا بتغميض عينه ، أو بإشغال بصره بغيره ، لأنه إذا أغمض لم يره ولا غيره ، وإذا فتح عينه لم يكن بد من أن يتبين ما لاقى بصره ، فإن لم يشتغل بمنظور إليه آخر عندما فتح عينه فهو ناظر إلى المنظور إليه . وربما دخلت على العمال الخدعة ، فيتشاغلون بسبب من أسباب المنظور إليه ، يرون أنهم قد صرفوا البصر ، وذلك كشغلهم أبصارهم بحسن الثوب الذي على المنظور إليه ، أو حسن المركب الذي تحته رجاء من العدو أن يجوز الحدّ ، فيتبين المنظور . فكل ما يبين المنظور إليه بعد نظره الثوب أو غيره عدها نظرة الفجأة ، وهي فجأة إلا أنه قد تعرض لها ، وأشغل بصره بالسبب الذي لا يبعد أن يتبين به المنظور إليه ، كم قدر ما بين الثوب والجسم ، أو يتبين المركب وما عليه ، أو ينظر إلى الخلف يتوهم بما وراءه لا يخلو من أن يصعد بصره إلى ما فوقه ، فذلك التعرض لنظرة الفجأة .
هامش
- 352 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 5 / 3 ، 351 ) ، والحاكم في ( المستدرك 3 / 123 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 3 / 35 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 40 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 13639 ) ، وصاحب ( شرح معاني الآثار 3 / 15 ) .
المسائل — صفحة 108 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور