ومن ذلك ما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه : أنّ العينين تزنيان ، واليدين تزنيان ، والرجلين تزنيان ، ويصدّق ذلك الفرج أو يكذبه .
فهو في تلذذه ببصره ، كتلذذه بمسه ، وإن لم ينو النكاح ، فإنما يمس بيده لترجع إلى قلبه لذة من طيب ما مس ، وكذلك إنما ينظر بعينه ليرجع إلى قلبه لذة بنظره .
وقد فرق بين اللذة والنظر إلى ما يجوز نكاحه ، وما لا يجوز نكاحه ، فمن نظر إلى ثوب حسن ، ولم ينو أن يلبسه ، وإلى بناء حسن ليلتذ به فهو مباح . ومن نظر بمثل ذلك إلى ما يصلح للنكاح من اللباس فهو محرم عليه .
نظر الفجأة
قلت : ما نظرة الفجأة من غيرها ؟
قال : نظرة الفجأة هي أن تكون لم تقصد بقلبك إلى منظور إليه مما نهيت عنه ، فيفجأ بصرك المنظور إليه ، من غير أن تكون قصدت إليه بالنظر ، فتراه ببصرك ضرورة من غير عمد . وتلك النظرة التي لم تعلم بها .
فعليك صرف بصرك تلك الساعة بعد نظرة الفجأة ، فلا فصل بين الفجأة وبين الصرف بإقرار البصر إلى ما فجئت به ولو كطرفة العين فما فوق ذلك .
فإن كان فيما بين نظرة الفجأة وبين الصرف إقرار للبصر ولو بقدر طرفة العين فإقرارك البصر وإن خف نظرة ثانية محرمة ، لأنّ المنظور فاجأ بصرك بلا عمل ، فلما أن ثبّته علمت ما هو ، فإن أقررت بصرك بقدر فتح البصر بعد البيان والعلم ، فتلك نظرة ثانية .
وقد يدخل في صرف البصر على العمال خدعة : أن يكونوا يرون أنهم عاملون في صرف أبصارهم ، وهم مقرون له بعد الفجأة إلى المنظور إليه .
وذلك كالرجل يفجؤه المنظور إليه فيلفت رأسه ورقبته ليصرف بصره ، وهو في ثنيه رقبته ، أو تنكيسه رأسه ، أو رفعه طرفه إلى السماء ، يلمح المنظور إليه في قطعه المسافة ، وهو في ذلك عند نفسه متورع ، دائب فيما وجب عليه من الورع بصرفه البصر ، وقد نظر بخدعة وهو لا يعلم ، فليحذرها العامل لقوله صلى اللّه عليه وسلم لعليّ بن أبي طالب : « يا عليّ لك أول نظرة ، فما بال الثانية » ؟
وقال أيضا : « لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى ، وعليك الثانية » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف 4 / 324 ؛ 12 / 64 ) ، والطحاوي في ( مشكل الآثار 2 / 350 ، -