وأما الذي لا يطاق فهو كقوله : عليّ للّه نذر أنّ أمشي إلى بيت اللّه حافيا راجلا ، وهو ممن لا يطيق ذلك ، من ضعف أو سقم . فإن كان واجدا السبيل إلى الحج ركب وكفّر ، لأنه لا يطيق المشي ، وكذلك روى عقبة بن عامر « 1 » أنه سأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إنّ أختي نذرت أن تمشي إلى بيت اللّه راجلة حافية غير مختمرة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه نهى عن تعذيب أختك نفسها ، مرها فلتركب ولتختمر ، وتكفر كفارة يمين » .
وروي في حديث آخر : « مرها فلتصم ثلاثة أيام » « 2 » .
واختلف العلماء في ذلك ، فقال بعضهم : من نذر نذرا لا يطاق كفّر كفارة يمين ، وقالوا : الحديثان اللذان رويا عن عقبة يصدق أحدهما الآخر . لأنّ معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : أن تصوم ثلاثة أيام ، هو معنى كفارة اليمين عمن لا يجد الإعتاق والإطعام .
وقال بعضهم : يصوم ثلاثة أيام ، غنيا كان أو فقيرا ؛ لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر عقبة أن يأمر أخته بصوم ثلاثة أيام وأن تركب ، وذلك دليل على أنها كانت واجدة إطعام عشرة مساكين ، لأنه لم يأمرها إلا وهي واجدة للركوب .
وأما النذور في معصية اللّه عزّ وجلّ فهي كأن يقول الرجل : للّه علي نذر أن أنحر ولدي ، أو أرمي نفسي ، أو لا أتكلم كذا وكذا يوما ، أو أطوف بالبيت عريانا ، والمرأة تنذر أن تحج غير مختمرة . ففي ذلك كله كفارة يمين ، لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا نذر في معصية اللّه ، وكفارته كفارة يمين » « 3 » . يرويه عنه عمران بن حصين « 4 » .
فمن نذر نذرا في معصية اللّه عزّ وجلّ فعليه كفارة يمين ، ولا يعصى اللّه .
هامش
( 1 ) هو عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني ( توفي 58 ه - 678 م ) أمير ، من الصحابة كان رديف النبي صلى اللّه عليه وسلم وشهد صفين مع معاوية ، وحضر فتح مصر مع عمرو بن العاص ، وولي مصر سنة 44 ه ، وعزل عنها سنة 47 وولي غزو البحر ، ومات بمصر كان شجاعا فقيها شاعرا قارئا ، من الرماة ، وهو أحد من جمع القرآن . له 55 حديثا . وفي القاهرة مسجد عقبة بن عامر . الأعلام 4 / 240 ، والإصابة ت 5603 ، وحلية 2 / 8 .
( 2 ) أخرجه النسائي في ( السنن 7 / 20 ) ، وابن ماجة في ( السنن 2143 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 145 ) ، والطبراني في ( المعجم الكبير 17 / 323 ) .
( 3 ) أخرجه أبو حنيفة في ( جامع مسانيده ، 2 / 256 ، 264 ) .
( 4 ) هو عمران بن حصين بن عبيد ( توفي 52 ه - 672 م ) أبو نجيد الخزاعي ، من علماء الصحابة أسلم عام خيبر ( سنة 7 ه ) وكانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة . وبعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم . وولاه زياد قضاءها . وتوفي بها ، وهو ممن اعتزل حرب صفين . له في كتب الحديث 130 حديثا . الأعلام 5 / 70 ، وتذكرة 1 / 28 ، وتهذيب التهذيب 8 / 125 ، وصفة الصفوة 1 / 283 .