تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
فهذه خدعة تدخل على العمال بما خدعوا ، لتعجبهم من حسن الثوب ، وتقويمهم إياه ، فكل خديعة من النفس لتنظر من غير تعمد فهي كالمفسدة إذ تعرضت للسبب الذي لا يعرى من تبين ما نهى عنه . وربما دخلت الخدعة عن القراء والجهال بعد ما يفجؤه المنظور إليه فيزيد في الفجأة وربما فعله بعدما يصرف بصره ، وهو في نفسه شبه المقتدر على نفسه أنه لا ينظر بشهوة . فينظر فيما تخيل إليه نفسه وعدوه معتبرا فيما يزعم ، ليذكر بذلك حور الجنان وخدامها فتعمد النظر إلى ما نهي عنه ، يريد فيما يزعم أن ينال من الثواب بما أوعد عليه العقاب . فيطلب الشيء بضده . وكيف يعتبر بما حرم عليه ، وإنما العبرة التي تؤدي الطاعة فيما أمر ، ثم بصرف بصر قلبه عفة وتورعا ، إلى ما أعد اللّه في جنته ، فيكون معتبرا ورعا . فإذا نظر إلى ما نهي عنه معتبرا كان فاجرا ، وإن ظنّ أنه معتبر . وقد يدخل على العامل أيضا خدعة عند سبب يحدث ، من منكر يكون من المنظور إليه ، من لفظ لا يحلّ ، أو مناجاة من لا تحلّ مناجاته أو التبرج « 1 » ، فتبدي ما أمرت بستره ، فتجد النفس خدعة لتنظر بها بعد الصرف ، أو عند الفجأة ، يريد ليأمر وينهي كقوله : استتري ، وما أشبه ذلك . وهو قاصد إلى النظر ، وهو عند نفسه مطيع بالأمر والنهي ، وقد خدعته نفسه ففجر بتعمد النظر ، وقد كان يجزئه الأمر مع الغض ، ولكن عمي عليه أنه متعمد للنظر ، إذ كان إنما ينظر لينهى أو يأمر . وربما خدعته نفسه بأنه لو كان ممن يستريح إلى النظر إليه لما نشط لأمره ولا نهيه فكان ذلك كبيرا منه أن يرى المنكر أو التبرج مما لا يعجبه النظر إليه فلا يأمره ، وتخدعه نفسه عندما يفجؤه من المنظور إليه ، فيقصد النظر بالأمر وقد علم اللّه عزّ وجلّ أنه لم يغلب عليه حبّ الأمر ، إنما غلب عليه حبّ النظر ، وأدخل الأمر خدعة ودلسة « 2 » ، كأنه يعامل مخلوقا مثله . وكذلك يدخل عليه فيمن لا يجد بدّا من النظر إليه ممّن يريد أن يتثبت ليعرفه بشهادة أو مبايعة أو غير ذلك ، فينظر عامدا لذلك ، وقد علم اللّه عزّ وجلّ أنه لولا السبب الذي احتاج لأجله أن ينظر ما نظر . ولكن تدخل عليه خدعة وإن كان النظر له مباحا ويعمد فينظر بالتلذذ .
هامش
( 1 ) تبرجت المرأة : أظهرت زينتها ومحاسنها لغير زوجها . و - السماء : تزينت بالكواكب . ( 2 ) الدّلس : الخديعة .