وإنما اجترأ ولم يستحي من مولاه ، لأنّ قلب غفل عن عظيم قدر ربه ، وقدر غضبه ، وقدر شدة عذابه .
ما يحلّ من النظر
قلت : ماذا يحلّ من النظر إلى الأمة « 1 » والحرة ؟
قال : الحرة يحل النظر منها إلى ما يحل لها أن تبديه .
وقد اختلفوا في قوله تعالى :
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
[ النور : 31 ] .
فقال قوم : الوجه والكفان . وقال بعضهم : الكحل والخضاب « 2 » في الكفين . وقال بعضهم : الجلباب . وأجمعوا على أنه ليس لها أن تبدي ما سوى الوجه والكفين .
فمن نظر من الحرة إلى ما يحلّ لها أن تبديه لغير شهوة فهو مباح له .
وإن نظر عامد إلى ما عليها أن تستره لغير شهوة فلا يحل ذلك ، لأنه فيها عورة .
وإن نظر إلى ما لها أن تبديه أو عليها أن تخفيه لشهوة فقد فعل ما نهى عنه .
وأما الأمة فقد أباحوا النظر منها إلى الوجه والشعر ، والنحر « 3 » والصدر ، واليدين والذراعين والساقين .
فمن نظر إلى ما أبيح من ذلك لغير شهوة فقد أبيح له ذلك ، ومن نظر إلى ما عليها أن تستره لغير شهوة فلا يحل له ذلك ، لأنه منها عورة ، ومن نظر إلى ما لها أن تبديه بشهوة فلا يحل له ذلك ، وكذلك الغلام .
وأما الشهوة فليست هي بالنية ، لأنه لو ظفر لأتى ذلك حراما من جهة المنكح ، وتلك النية زيادة في الشهوة ، وذلك الذي حرم اللّه مما تخفي الصدور لقوله :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
[ غافر : 19 ] . فخائنة الأعين بصرها ، وما تخفي الصدور نية أن يواقع حراما . وكذلك فسره المفسرون .
ولكن الشهوة نظر العبد استراحة منه ليلتذ بالنظر ، وإن لم ينو النكاح حراما ، لأنّ لكل جارحة من اللذة حظا ونصيبا .
هامش
( 1 ) الأمة : المرأة المملوكة ( خلاف الحرة ) ( ج ) إماء .
( 2 ) الخضاب : ما يخضب به من حنّاء ونحوه .
( 3 ) النّحر : أعلى الصدر ، وموضع القلادة منه ( ج ) نحور .