والآخر من المؤمنين قد كانت نيته أنّ يعصى اللّه تعالى ، فعرضت له المعصية ، فأتاها ناسيا غافلا عن نهي اللّه عزّ وجلّ عنها . فهذا عاص في وقت فعله ، وقبل وقت فعله .
وإن كان فعل ما قد فعله قبل وقت غفلته ثم نوى أن يأتيه ، فهذا مصرّ عاص بإصراره قبل وقت غفلته ، لا اختلاف بين العلماء في أنه عاص بتلك الغفلة والنية .
وإنما اختلفوا لقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إذا همّ العبد بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها » « 1 » .
فقال قوم : لم يعن إذا عزم عليها ، لأنه إذا عزم عليها فهو عاص بنيته ، قبل وقت فعل معصيته ، وعاص أيضا بفعله المعصية في وقت غفلته .
وقال قوم : ليس بعاص ، لأنّ الهمّ هو النية . وقد روى أبو هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
« إذا أراد العبد أن يعمل سيئة لم تكتب عليه حتى يعملها » . وقد سماها إرادة . وقد بينا اختلاف العلماء في كتب « أخلاق الحكيم » .
فأما إذا كان قد فعل تلك المعصية من قبل ، ثم نوى أن يأتيها فهو مصر عند الأمة عليها ، عاص بنيته ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ آل عمران : 135 ] .
وأما الغفلة الثانية التي ذكر العاصي أنها معصية ، وأنّ اللّه عزّ وجلّ نهى عنها ، فهو ذاكر غافل ، غفلته لم تكن سهوا ونسيانا وزوال ذكر لأنّ ما يأتي محرم عليه . وإنما كان غافلا وإن كان ذاكرا ، لأنه غفل عن عظيم قدر العذاب وقدر الرب تعالى .
فلو عظم قدر الرب تعالى تلك الساعة بقلبه ، وعظم قدر غضبه لما عصى ، وإنما هو غافل عن عظيم قدر الثواب والعقاب ، وكان عن اللّه تعالى وعن الآخرة غافلا ، وإن كان للمعصية ذاكرا ، فلذلك سمى اللّه تعالى من يعصيه غافلا ، وإن ذكر المعصية ، لأنه غفل عن قدر من يعصيه ، وعن قدر غضبه ، وأليم عقابه ، فهذه الغفلة أعظم من الإثم وأبين .
فيا للعجب ممن غفل وهو ذاكر ، لأنّ الناسي لعله لو ذكر اللّه تعالى ارتدع وأقلع ، ولكن هذا الذاكر عاص ، وهو يذكر من يعصيه متعمدا مجترئا على ربه .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو عوانة في ( المسند 1 / 83 ) .