وهذه الغفلة وإن كان معها الذكر بمعرفة ما يعمل ، فإنّ قلبه محجوب غافل عن الآخرة ، ولذلك سميت غفلة .
ومن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ ثناؤه لمن سخط عليه ، يعيره بغفلته يوم الدين :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] .
فأخبر اللّه تعالى أنّ الغفلة غطاء على القلب ، فانكشفت عنه الغفلة ، وهو ينظر إلى ما غفل عنه حين كشف عنه .
وهاتان الغفلتان تكونان في المؤمن والكافر ، إلا أنها من المؤمن على غير معناها من الكافر .
فمن المؤمن عن سهو ونسيان ، وهو مقر بما غفل عنه أنه هو الحق ، وأن ما عمل من عمل لا يحل له في غفلته ، إلا أنّ المؤمنين في ذلك رجلان :
أحدهما : لم يكن من قبل أن ينسى ويسهو غافلا عن اللّه عزّ وجلّ ، وقد كان قدم النية والعزم على ألا يعصى اللّه تعالى ، ثم عرضت له المعصية ، فنسي نهي اللّه عنها ، وغفل عن ذكر سوء العقاب ، فغفل وعصى ، وإنما كان ما أتى من معصية وإن كان غافلا لأنه ساه ، ترك شدة الحذر أن يلزم قلبه ، فإذا عرضت المعصية وهاج الحذر ، أورثه الذكر فانتهى ، فلما ترك الحذر حتى غفل وعصي لم يعذره اللّه تعالى إذ ضيع الحذر .
وإنما ضيع الحذر من ضعف خوفه .
وأما من غفل عن سهو عن عمل الفرائض فهو على قسمين :
ما كان قد حضر آخر وقته الذي إن لم يبتدئ فيه خرج الوقت كله ، حتى خرج الوقت ، وقد كان من قبل خروج الوقت يذكر الفرائض ، وغفل بعد اللزوم لما فرض عليه أن يبتدئ في أدائه .
وما كان لم يحضر آخر وقته الذي إن لم يبتدئ فيه كان مضيعا لها قبل دخول آخر وقته ، حتى خرج الوقت بغير حرج ولا إثم ، لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها » « 1 » . وقال : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » « 2 » . وإجماع الأمة على أنّ الناسي قبل دخول آخر الوقت حتى خرج الوقت ليس بعاص .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( مواقيت 37 ) ، ومسلم ( مساجد 309 ، 314 ، 315 ) ، وأبو داود ( صلاة 11 ) ، والترمذي ( صلاة 16 ، 17 ) ، والنسائي ( مواقيت 52 ، 54 ) ، وابن ماجة ( صلاة 10 ) ، والدارمي ( صلاة 26 ) ، والموطأ ( صلاة 25 ) ، ( سفر 77 ) ، وأحمد بن حنبل 3 / 100 ، 243 ، 267 ، 269 ، 282 ؛ 5 / 22 .
( 2 ) أخرجه العجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 522 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 2 / 573 ) .