والحال الثانية جرأة وإقدام عليه مع التذكير والتنبيه إلى أن صار ذلك يباعد منه ، ويحرم الخلود في جواره .
فهل سمع السامعون بأسوأ من حالك ، وهل عرف العارفون بأشر من منزلتك ، ثم مع ذلك الحزن عنك زائل ، والغم لك مباين ، والتوجع لك غير لازم ، وقد رآك مولاك في أسباب الدنيا بأضداد ذلك كله ، شغلك بطلبها دائم ، تنشطين وتقوين إذا رأيت الزيادات في معاشك ، وتنكسرين إذا رأيت النقصان فيه ، ولا تفعلين ذلك فيما بينك وبين ربك ، إلا في أقل الأوقات .
فقد أصبحت عند اللّه مفتضحة ، ومن البعد منه غير مكترثة ، لا جرم قد أصبحت وهو عنك معرض ، ولك مقص مباعد ، ولولا التفضل بالعفو والحلم لسلبك جميع نعم الدين ولكنه يبقى من العقوبة بالعفو تفضلا وإحسانا .
من أجل ذلك وجب حبه على المطيعين والعاصين جميعا .
الغفلة « 1 » والنسيان « 2 »
قال : الغفلة غفلتان ، والنسيان نسيانان :
فأما أحد الغفلتين فغفلة عن نسيان وزوال ذكر ، وهي أيسر الغفلتين ، وهي غفلة الخائفين ، لأنهم لا يتعمدون ، وإن كانوا من أنفسهم بذلك لا يرضون ، لأنّ أكثر النسيان وزوال الذكر من قلة العناية ، لأنّ أقل الناس نسيانا لأسباب دينه أشدهم عناية بالقيام بحق ربه وأشدهم عناية بذلك أشدهم تعظيما لربه . وأشدهم تعظيما لربه أكثرهم معرفة بتعظيم قدر ربه .
وأكثرهم معرفة بتعظيم قدر ربه أدومهم فكرا ، وألحهم على الذكر والنظر في معاني صفاته العليا ، وأسمائه الحسنى ، ونعمائه التي قد عمت الدين والدنيا .
وأما الغفلة الثانية وهي أعظم الغفلتين ، ولا تكاد تكون إلا من مجترىء على ربه في ساعة غفلته ، وهي الغفلة التي معها الذكر وزوال النسيان .
ولم يغفل لأنه لم يعلم ، بل العلم معه قائم أنّ ذلك لا يرضي اللّه عزّ وجلّ ، وإنما سمي فعله غفلة لأنه غفل عن تعظيم قدر من يعصى ، وقدر شدة عقوبته ، ولذلك سمي غافلا .
هامش
( 1 ) الغفلة : غيبة الشيء عن بال الإنسان ، وعدم تذكره له ( ج ) غفلات .
( 2 ) النّسيان : فقدان مؤقت لما حفظه الذهن من أفكار وكلام وصور . و - : عاهة تنشأ عن اضطراب أو عطب في المخ ، أو عن اضطراب شديد في الحياة العقلية يسببه القلق أو الصراع النفساني .