باب الغرّة بالغزو والحج وقيام الليل وصيام النهار
ومنهم فرقة اغترت بالغزو والحج وقيام الليل وصيام النهار ، فقد خيّل إلى أحدهم أنه من عمّال اللّه عز وجل ، والمشتغلين به والذابّين عن محارمه ، فقد عمّى على أحدهم ذنبه ، فهو غير مصحّح لمطعمه وملبسه من الشبهات وغير ذلك ، وجوارحه منتشرة عليه في أكثر عمره فيما يكره ربه عز وجل ، وهو غير متفقد لنفسه ، لا يخيّل إليه أنه ينبغي لمثله أن يتفقد نفسه ، وإن علم منها ببعض التفريط هان عليه لما عنده من العبادة والعلم والغزو والحج .
وهو مع ذلك غير متفقد للإخلاص فيما يعمل ، ولا عارف به دون تفقده .
قلت : فبم تنفى ذلك ؟
قال : بتفقدها أنفسها ، حتى تعرف أنها كانت مشتغلة بالنوافل عن واجب الحق والقيام بالفرض ، فإذا تفقد ذلك أحدهم من نفسه ، علم أنه كان يعد نفسه ممن جاز التقوى ، وعلا في درجات النوافل ، يخيل إليه أنه لا يعذب مثله ، وأنه خاصة اللّه عز وجل من خلقه ، هو ومن كان مثله ، وقد كان مع ذلك مضيّعا للخوف من اللّه عز وجل فيما أوجب ونهى عنه ، فحينئذ يهتم بالتقوى ، ويزداد إن قدر على ما كان يعمل ، رجاء أن يكفر ما مضى من التضييع لحق اللّه عزّ وجل والتصنّع بعمله .
* * * * *