باب الغرّة ممن أمّ التقوي وأحسن التفقد لظاهره وداخله
ومنهم فرقة أهل بصر ونظر وتفقد لجوارحها ، ولكثير من خطرات قلوبها ، يؤمون التقوى « 1 » ويريدونها ، ولا يحبّون أن يبدوا بشئ من الأعمال غيرها ، فهم مع ما خصّوا به من بين العابدين في زمانهم يغترّون بها ، قد زايلهم الوجل والإشفاق ، يخيّل إلى أحدهم أن العذاب إنما يرفع عن العباد به ، ويدعو اللّه عز وجل والغالب عليه أنه مستحقّ للإجابة ، غير وجل ولا مشفق أن يكون من أعداء اللّه ، لبعض ما سلف منه ، أو لبعض ما يكون منه في ضميره وجوارحه ، أو بأمر يختم له به ، فيشقى فيموت وهو عدو للّه عزّ وجل على شر أحواله .
قلت : فكيف يغترّون وهم معتقدون للتقوى ويطلبونها ويؤمّونها ؟
قال : أعجبوا بتفقّدهم فظنوا أنهم ناجون ، واستصغروا من سواهم ؛ لمعرفتهم بتضييع العباد لحق اللّه عز وجل في زمانهم .
قلت : فكيف تنفى غرتها بذلك ؟
قال : تعرض وجلها وشفقتها على وجل السابقين ، فتنظر أين وجلها من وجلهم ، فإنها تجدهم قد تمنّوا - مع ما قد قاموا به للّه عز وجل مما لم يأت بأقل القليل منه - أنهم كانوا بهائم ، إعظاما للأمر وخوفا من الرب عز وجل .
هامش
( 1 ) يؤمون التقوى : يقصدونها ويطلبون التحقق بها .