وبذلك وصفهم اللّه عز وجل فقال :
يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
« 1 » .
فليتفكروا ويتذكروا أىّ رب يعبدون ؟ وأي ثواب يطلبون ؟ ومن أي عذاب يهربون ؟ وما بين أيديهم من الأهوال وعظيم الخطر ، وما أحصى عليهم من الذنوب ، وسابق علم اللّه عز وجل فيهم ، فإنهم إذا تفكروا في ذلك كانوا - مع معرفتهم بتضييع العباد لحق اللّه عز وجل في زمانهم ، وبما منّ اللّه عزّ وجلّ عليهم من الطاعات والتقوى - يرون أنهم شرّ أهل زمانهم ، كما روى عن ابن عمر - رضى اللّه عنه - أنه قال : « لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى ينظر إلى الناس كالأباعر في ذات اللّه عزّ وجل ، ثم يرجع إلى نفسه فتكون عنده أحقر حاقر » « 2 » .
وكيف لا يكون كذلك والربّ جلّ جلاله لا يؤدّى حقّه ، ولا يبلغ قدر عظمته ، ولا تحصى نعمه ، وعذابه عذاب لا يقام له به ، وثوابه ثواب لا صبر عن دونه ؟ ! « 3 » ، حتى لو أن أحدهم كشف له عن عبادات الملائكة ؛ لعلم أنهم مقصرون عما يحقّ للّه عزّ وجل ، وعلى قدر يوم القيامة بأهواله وزلازله وشدائده ، فكيف بضعيف عمل أحدهم ؟ !
هامش
( 1 ) المؤمنون : 60 .
( 2 ) هذا الأثر أخرجه - من قول خالد بن معدان - ابن المبارك في الزهد ص 99 ( 295 ) ، وأبو نعيم في الحلية 5 / 212 .
وأخرج ابن المبارك ( 296 ) وأبو نعيم 1 / 206 عن ابن عمر قال : « لن يصيب الرجل حقيقة الإيمان حتى يرى الناس كأنهم حمقى في دينهم » .
وقال أبو الدرداء : « لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب اللّه ، ثم ترجع إلى نفسك ، فتكون أشد لها مقتا » . أخرجه ابن أبي شيبة 13 / 306 ( 16432 ) ، وأبو نعيم في الحلية 1 / 211 .
( 3 ) يعنى لا صبر عن أقله وأيسره ، أو لا صبر عن تركه ولا استغناء عنه .