باب الغرّة من أهل النّسك وأصنافهم واختلافهم ، وغرّة أهل العلم
قلت : فما الغرّة ممن أظهر النسك وعدّه الناس وعدّ هو نفسه من الديانين ؟
قال : أولئك في الغرّة أصناف مختلفون : فمغتر بالعلم ، ومغتر بالقليل من العمل ، ومغترّ بالبصر بالحجاج والجدال ، ومغتر بالستر والإمهال ، ومغتر بالثناء من الناس والتعظيم منهم له ، ومغتر بذكر آبائه الصالحين .
فأما المغترون بالعلم فهم فرق شتى على قدر منازلهم فيه .
فمنهم فرقة تغتر بكثرة الرواية وحسن الحفظ ، مع تضييع واجب حق اللّه عز وجل ، وتخيّل نفس أحدهم إليه وعدوه « 1 » أن مثله لا يعذّب ، لأنه من العلماء ، وأئمة العباد الحافظين على المسلمين علمهم ، ويعمى عليه أكثر ذنوبه ، فلا يرى أن مثله فيما بلغ من العلم يرائى ولا يعجب ولا يتكبّر ولا يحسد ، وإنما يفعل ذلك الجهال الذين لا يعرفون العلم ولا يحفظونه ، فيقلّ خوفه وحذره من عذاب اللّه عز وجل ويغفل التفقد لنفسه ، إذ كان يرى أن مثله لا يعمل بالأخلاق الدنية ؛ لأنه قد ارتفع بالعلم عن ذلك ، فلا يتّهم نفسه ، فإذا لم يتهمها لم يتفقد من نفسه الأخلاق المذمومة عند اللّه عز وجل ، ولم يحذرها ؛ لأنه إنما يتفقدها الجاهل ، فأما مثله فقد ارتفع بالعلم عن ذلك ، فيضمر ما يكره اللّه عز وجل ، من الرياء والعجب وغيره ، ويغتاب ويهمز ويلمز ،
هامش
( 1 ) المقصود بعدوه : الشيطان ، فهو مع النفس يخيلان للعبد ذلك .