فمن ضيّع أمر اللّه عز وجلّ بعد علم فهو جاهل باللّه عزّ وجلّ ، إذ كان أعظم جرأة من الجاهل على اللّه عزّ وجلّ ، فلو كان هذا عالما باللّه عزّ وجلّ ، لما اجترأ بأعظم من جرأة الجاهل ، فلا علم للمغتر ، بل هو أشد جهلا باللّه عزّ وجلّ من الجاهل الذي لا يعرف العلم ، ولعله لو عرف كما عرف هذا المغتر الذي أكثر الرواية للعلم ، ما ضيّع أمر اللّه عزّ وجلّ ، فهو شر من الجاهل .
كما روى عن أبي الدرداء : « ويل للذي لا يعلم مرة ، ولو شاء اللّه لعلمه ، وويل للعالم سبع مرات » « 1 » أي الحجة عليه أضعاف ، وكذلك العذاب .
فإذا تذكر هذا وأمثاله حذر اللّه عزّ وجلّ ، وازداد مع العلم وجلا وحزنا ، كما قال أبو الدرداء من يزدد علما يزدد وجعا .
وقال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً
إلى قوله :
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ
« 2 » .
وقال عز وجل :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
« 3 » .
فوصف العلماء من قبلنا ومن هذه الأمة بالوجل والإشفاق ، والدليل على ذلك : البكاء مع سجودهم إذا تتلى عليهم آياته ، وهي أعظم العلم وأشرفه ، وينفى اغتراره الذي عمّاه عن ذنبه حتى يخيل إليه أنه لا يعتقد مثله الأخلاق المذمومة عند اللّه عز وجل ، لما حفظ من العلم .
فينفى غرّته بذلك : أن يعلم أن حفظه للعلم لن يجزيه دون معرفة معانيه فيما دل عليه من المحبوب للّه عز وجل والمكروه ، حتى يعرف معاني العلم في
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 519 .
( 2 ) الإسراء : 107 - 109 .
( 3 ) مريم : 58 .