وبهذا وصفهم اللّه عز وجل ، فقال :
يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
« 1 » وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
« 2 » .
ولم يصفهم بالإشفاق والخوف على غيرهم . وهل يبلغ أحد من البراءة من الذنوب ، ودوام الدّءوب والاجتهاد - بغير فترة ولا سآمة « 3 » - ما بلغت الملائكة ؟
وقد أخبرنا اللّه عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وأنهم من خشية ربهم مشفقون « 4 » .
فمتى زايل الإشفاق والوجل قلبك ونظرت إلى غيرك بالازدراء ، والحقرية والأنفة منه ، وأنك خير منه ، من غير حذر ولا خوف لسوء العاقبة ، وسابق العلم ، أو رددت عليه حقّا أنفا أن تقبل منه ، أو منعته حقا يجب له عليك ، كصلة رحم وغيره ، أنفا أن تأتيه أو تعلم أنه لك قريب ، ازدراء به وأنفا منه ، فقد « 5 » تكبّرت عليه .
ومتى ذكرت نعمة اللّه عز وجل ، التي عصمك بها مما أتى غيرك من الذنوب ، وأنت غير تارك للوجل والإشفاق ، خائف على نفسك ، لا تقطع لك بالنجاة وعليه بالهلاك ، وأنت مع ذلك غضبان للّه عز وجل ، مجانب له ، فقد نجوت من الكبر ، وقمت بما أمرت فيه ، ولم تنس النعمة عليك .
هامش
( 1 ) المؤمنون : 60 .
( 2 ) المؤمنون : 57 .
( 3 ) الفترة ، والسآمة : الفتور والتراخي والملل .
( 4 ) انظر الآيات 19 - 28 من سورة الأنبياء .
( 5 ) جواب الشرط في قوله : « فمتى زايل . . . » .