فلا يأمن ألا يكون سلم فيما أظهر من الطاعة أن يكون قد دخلها من الآفات ما يحبطها .
ثم قال : فحينئذ كمل العقل وساد أهل زمانه « 1 » .
وصدق ، لأنه يتواضع لهما جميعا بقلبه ، مقرا معترفا أن من لم يبد منه أعظم مما يعرف من نفسه ، فهو خائف على نفسه الهلاك وأن يختم له بشر من عمله ، أو لعله لم يتقبل له حسنة ، وأنه عند اللّه عز وجل شرّ منه مما سلف من ذنوبه ، ولعله يختم له بشر الأعمال ، فهو متواضع للفريقين جميعا ، غير متكبر على واحد منهما ، غير تارك للغضب للّه عز وجل والمجانبة لمن أمر بمجانبته والغضب عليه ، إذ لم ينس الخوف على نفسه ، خائف أن العذاب واصل إليه ، ولعله شرّ من يرى وسينجو ويختم له بخير الأعمال .
ألا ترى إلى حديث : أن عابدا كان يتعبّد في جبل ، فأتى في النوم فقيل له :
ايت فلانا الإسكاف « 2 » فاسأله أن يدعو لك ، فأتاه فسأله عن عمله ، فأخبره أنه يصوم النهار ، ويتكسّب ، فيتصدق ببعضه ، ويطعم عياله ببعضه ، فرجع وهو يقول : إن هذا لحسن ، فأما كالتفرغ لطاعة اللّه عز وجل فلا . فأتى في النوم فقيل له : ايت الإسكاف ، فاسأله ، فقل له : ما هذا الصفار في وجهك ؟ فأتاه فسأله ، فقال له الإسكاف : ما رفع لي أحد من الناس إلا ظننت أنه سينجو وأهلك أنا ، فقال له العابد : بهذه نجوت .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 4 / 40 ، 41 .
( 2 ) الإسكاف : يقال إن كل صانع عند العرب يقال له : إسكاف ، وهو يطلق على صانع الأحذية والذي يصلحها ، وأسكفة الباب : عتبته التي توطأ من أسفل .