ولكن أخاف عليك أن تخدع بذكر النعمة ، فتنظر إليه وأنت لا تكاد تشك أنك الناجي وهو الهالك ، وإن جلس إليك أو قاربك في موضع جانبته ، تريد النزاهة والغضب للّه عز وجل ، وأنت مع ذلك معظم لنفسك ، تأنف من مثله أن يقارب مثلك ، وأنك خير منه ، لا تذكر الخوف على نفسك ، كأنك لا تشك أنه مغضوب عليه وأنك مرضىّ عنك ، ناج لا محالة ، فتجمع نزاهة الدين وكبرا ، فتخدع باسم الغضب للّه عز وجل والنزاهة ، فتتكبر وأنت لا تعلم .
ألا ترى إلى قول عون بن عبد اللّه ، ووصف المؤمن فقال : « ليس دنوه خدعة ولا خلابة « 1 » ، ولكن دنوه ليغنم « 2 » ، ولا نأيه « 3 » عمّن نأى عنه كبرا ، ولكن نزاهة منه ليسلم » « 4 » .
فاحذر العدوّ أن يزيّن لك البرّ ليلقيك في الإثم ، أو يمن اللّه عز وجل عليك بطاعته فيحسدك العدو عليها ، فيزين لك إثما يخلط به الطاعة ، فتكون حينئذ غير شاكر لما منّ به عليك من طاعته ، فاحذر إذا ذكرت النعمة التي فضّلت بها عليه أن تجمع مع ذلك كبرا ، فاذكر النعمة وأنت من العواقب مشفق وجل ، ولنفسك بما خالفت مولاك مستصغر مبغض ماقت .
* * *
هامش
( 1 ) الخلابة : الخداع والغش .
( 2 ) يعنى يغنم ثواب اللّه ورضاه .
( 3 ) النأى : الابتعاد والمجانبة .
( 4 ) يعنى يسلم من الخطأ الذي يحدث بمجالسته ومقاربته ، والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية 4 / 260 من وصية عون بن عبد اللّه لابنه ، وقد قال رحمه اللّه : « بحسبك من الكبر أن تأخذ بفضلك على غيرك » أخرجه ابن أبي شيبة 13 / 428 ( 16810 ) ، وأبو نعيم في الحلية 4 / 274 .