ولو لم يعظم خطره ولم تعظم الحجة عليه ، وأيقن أن اللّه عز وجل قد رفعه بعلمه على من دونه ، لكان حريّا - إن كان باللّه عز وجل عالما - ألا يتكبر على من دونه ، فيزول عن منزلته ، ويتضع عن رفعته ، إذ علم أن اللّه عز وجل واضع بالكبر من تكبر على من دونه ومذله ومصغّره .
وإنما كررت هذا عليك لتفهمه ، وتعرف أن الكبر لا يليق ولا يصلح ولا ينبغي لأحد سوى اللّه عز وجل ، إذ كل ما سواه مملوك ذليل لربه عزّ وجل ، كما يروى عن أبي هريرة أن رجلا كان لا يعدى عليه ، وكان يمر بدابته لا ينظر إلى أحد ، فعرض له أبو هريرة فأخذ بلجامه ، وقال له : « ما رأيك إلى شئ لا يصلح إلا للّه عزّ وجل تجعله لنفسك ؟ » قال : فانكسر الرجل وما رأى منه بعد ذلك إلا خيرا وتواضعا .
قلت : فإذا تذكر هذا وتفكر فيه حتى يلزم قلبه معرفته ، فذلّت نفسه لصغر قدرها عنده ، وزال الكبر عن قلبه ، حتى لا يرى أنه خير ممن دونه من المسلمين ، ولا يزدريه ولا يأنف منه ، هل يجزى ذلك عنه فيما يستقبل من عمره ؟
قال : لا ؛ لأن النفس قد تعطى العزم على التواضع وترك الكبر ؛ إذعانا منها للحق ، إذ بهرتها معرفته ، فعرف العبد صغر قدر نفسه ، فلما عرف صغر قدر نفسه ذلّ وخضع ، فتعطى النفس العزم عند هذه المعرفة ، ثم تسهو أو تغفل في غير ذلك الوقت فتتكبر وتتعظم ، فتنقض ما أعطت من العزوم وتغير عن حالها تلك ، من الخضوع والذلة فتكبر وتعظم .
* * * * *
الرعاية لحقوق الله — صفحة 521
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥٢١