للعمل ، والجاهل بالعلم ، إذ كان أعظم بلية ، فإذا رجع إلى نفسه : إني كما عرّضت لأعظم الأجر وأكبر القدر ، فكذلك عرّضت لأعظم الإثم وأصغر القدر ، وإن تكبرى يا نفس تكوني أصغر قدرا من الجاهل والمضيع للعمل ، فهو كرجل قيل له : إن لك قدرا ما لم تر لنفسك قدرا ، فإن رأيت لها قدرا فلا قدر لك عند اللّه عز وجل ، وهو كذلك ، لأن اللّه عز وجل يضعه ويذلّه إذا تكبّر .
فإذا عقل عن اللّه عزّ وجل ، علم أنه إن تكبّر وضع قدره ، وإن نفى الكبر وذلّ رفع قدره ، وإذا ألزم العبد قلبه ذلك ، انتفى الكبر عنه عاملا كان أو عالما ، لأن خطرهما جميعا عظيم .
أما العابد فكثير آفاته ، وكثير أخطاؤه في عمله ، وكذلك العالم ، وهو أعظمهما خطرا وأشدهما بلاء .
ألا ترى إلى ما روى عن أبي ذرّ : أنّ مولاه جعل يسأله عن العلم ، فقال له أبو ذر : أما إنك لا تسألني عن شئ إلا زادك اللّه به بلاء « 1 » .
وصدق رحمة اللّه عليه ، تعظم عليه الحجة عند اللّه عزّ وجلّ ، ويعظم منه الذنب ، وتكثر آفاته ، ومع عظيم الحجة وكثرة الآفات إنما يؤجر عليه إذا عمل به بنية قلب أو فعل ؛ ألا ترى إلى قول معاذ بن جبل : « اعلموا ما شئتم أن تعلموا ، فإن اللّه عزّ وجل لا يأجركم على علم حتى تعملوا » « 2 » .
ونيّته للعمل به عند طلبه للعلم عمل ، فبمعرفته بعظيم الخطر يذلّ وينكسر ، وبمعرفته بعظيم الحجة عليه يزول عنه الكبر ؛ أن يتكبر على من دونه .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 21 ( 63 ) .
( 2 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 21 ( 62 ) وأبو نعيم في الحلية 1 / 236 ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص 284 .