والضعف والمهانة والذلة والمسكنة والضرّ والزمانة « 1 » ، فإذا تفكّر وصدق نفسه عن الخبر بالتذكر عن بدوه وأصله ، ومما هو وكيف كانت أحواله ، لم يمتنع أن يذلّ في نفسه وينكسر عن نخوته وكبره .
ومثل حياته وصحته وما يتقلّب فيه من ملكه وغناه ، مثل رجل كان عند نفسه حرا لا يشك فيه ، ثم مات والداه ، وأورثاه مالا كثيرا ، فكان يتعظّم ويتكبر ، بشبابه وحسن جسمه وهيأته وغناه وملكه ، وهو مع ذلك في سعة :
من المنازل والنظافة والطيب والمنعة والحرز والأمن ، فبينا هو كذلك متكبرا متعظما في نفسه ، إذ قدم عليه قادم من بعض البلدان ، فأخذه وأقام عليه البينة العادلة بأن أبويه كانا مملوكين له ، وأن ما كان في أيديهما من مال فهو له ، فحكم عليه الحاكم بذلك ، وعلمه أيضا صدق ذلك ، واطمأن قلبه إلى ما شهد به الشهود ، هل كان يمتنع في نفسه أن تزول عنه نخوته وكبره إذ علم أنه عبد مملوك ، ليس لنفسه بمالك ، ولا لما بيده من المال ، وأن مولاه إن أراد أن يأخذه أخذه منه ، وأنه لا يقدر أن يفعل شيئا إلا بإذن مولاه وإرادته ؟ ونظر مع ما أيقن به من العبودية ، فإذا في منزله من الهوامّ والحيّات وغير ذلك ما لا يأمن أن تتلف نفسه - أغفل ما يكون - ولابد له من سكنى ذلك المنزل ، لأن مولاه ألزمه ذلك ؛ لئلا يضيع ذلك المنزل وما فيه .
كيف يرى كان يكون في نفسه لذلة العبودية والانخلاع من ملكه وما يخاف من تلف نفسه - أغفل ما يكون - ولم يكن ذلك المنزل لأحد إلا كان آخر مصيره إلى التلف ، هل كان يعدّ لنفسه مالا ، وهل كان يعد لنفسه منزلا أو قرارا ؟ فكذلك ابن آدم إذا تكبّر وتعظّم وهو ناس لحالته التي وضع عليها ،
هامش
( 1 ) الزّمانة : العاهة والآفة المستمرة .