حتى يحاسب به وينظر فيه .
ثم هو مع ذلك لا يأمن أن يسلب ملكه ، فعليه في ملكه مالك ، وليس هو لنفسه بمالك ، ولا على ما أراد فيها بقادر ، وهو مع ذلك مخالف لمالكه ومولاه غير شاكر له ، وناس غير ذاكر له ، وقد ركب كثيرا مما قد نهاه عنه ، وضيع كثيرا مما أمره به ، قد استوجب بذلك من العذاب ما إن لم يعف عنه كانت الخنازير والكلاب خير منه وأفضل وأنظف وأطهر وأطيب وأرفع منه ، لأن الخنازير والكلاب تصير ترابا ، وهو يصير معذبا أبدا « 1 » ، لو وجد الخلائق نتن ريحه لماتوا من نتنه ، ولو رأوه لصعقوا من وحشة خلقته ، ولو قطرت قطرة من شرابه ، الذي يشربه ويفزع إليه ليسكن به عطشه ، على جبال الدنيا لأذابتها ، مخلّد في غاية الذل والخضوع والمسكنة والهوان والعذاب .
فمن هو في الدنيا بهذا الوصف وأعظم منه قد وجب في رقبته واستحقه وحكم عليه به ، كيف يكون ذله وتواضعه ؟ كيف ينبغي لمن كان هذا الوصف قد وجب عليه أن يتقلب بين العباد ؟ وهل يمتنع هذا - إن عقل - أن يكون في نفسه ذليلا مهينا ؟
أرأيت من وجب عليه حكم ألف سوط وهو في سجن ينتظر أن يخرج إلى العرض فيمضى فيه من الضرب ما قد حكم عليه به ، كيف ذلّته في السجن ، وتوقعه في كل وقت ، إلى أن يخرج إلى العرض فيقضى فيه الحكم ؟ أفليس هو في الدنيا وهو في السجن وقد وجب عليه العذاب ، لا يدرى متى يخرج من الدنيا إلى العرض ليحكم عليه بالعذاب ؟ إلا أن يعفو الكريم . وهو مع ما قد وجب عليه يتوقع الموت ، فالموت خاتمة عيشه ، لأنه قد علم أن آخر حياته إلى
هامش
( 1 ) مصداقا لقوله تعالى :وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً( النبأ : 40 ) .