قلبه تصديقه - أن ذلك كائن إلا أن يعفو عنه مولاه ، وأن ذلك واجب عليه ، والعفو شك لا يدرى أيكون أم لا ؟ ألم يكن ينكسر عن شره وبطره وفرحه وتكبره حتى يكون أذلّ الناس في نفسه ، وأشدهم خضوعا وذلّا ومسكنة لما قد حكم به عليه مولاه ، ولما يتوقع في السرعة والمعاجلة أن يؤخذ بغتة حتى يمضى فيه كل ما حكم مولاه عليه به ، فما كان يمتنع من ذلك كله أن يذلّ ويخضع .
فكذلك ابن آدم ، إذا تذكر في تضييعه كثيرا من عمل مولاه مما أوجب عليه ، وما أفسد مما عمله فيه مما أدخل فيه من الرياء والعجب وغير ذلك ، وما ذهب من عمره فيما أفناه من اتباع هواه ونسيان مولاه ، وأن الموت نازل سريعا عاجلا ، فيخرج إلى قبره ، فيبلى فيه ، ثم يخرج إلى القيامة فيوقف ، حتى يبلغ به غاية المجهود ، فيعرضه مولاه ، ثم يحاسبه بكل ما عمل وضيع وأفنى من عمره ، ثم يأمر به إلى عذابه الذي لا يشبه عذاب الدنيا ولا عقوبتها ، لا يشك أن العذاب قد وجب عليه ، وإنما يرجو العفو على شك لا يدرى أيفعل ذلك به أم لا ، فإنه إن عفا عنه فهو لا شك أنه سيعرض ويحاسب ، ويوقف على ما ضيع من العمل وأفسد ، وما أتلف من عمره ، وما أنفق فيه ماله ؛ أتراه كان يمتنع من أن يذل في نفسه ؛ ويزول عنه تعظمه وتكبره ؟ .
وبذلك يروى الحديث في المساءلة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تزول قدما ابن آدم من بين يدي اللّه عز وجل حتى يسأل عن أربع : شبابك فيم أبليته ؛ وعمرك فيم أفنيته ، ومالك من أين اكتسبته ، وفيم أنفقته ، وعملك ماذا
الرعاية لحقوق الله — صفحة 512
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥١٢