ومسكنته وصغر قدره في نفسه مما يتقلب فيه من المكروهات ، من غير مؤامرته « 1 » ، ومما لا يكاد أن ينفك منه من الأسقام والغموم ، والوجع والجوع والظمأ ، وما وجب عليه من العذاب والهوان ، وما يصير إليه من الموت والبلى ، وما بعد الموت : مما يعاين من الأهوال ، وما يخاف أن يصير إليه من العذاب ، زال « 2 » عنه الكبر ، ولزمه الخضوع والذلّة والتواضع للمولى عز وجل ، والشكر للمنعم تعالى ، والانكسار للخوف من العقاب .
فإذا عرف ذلك عرف قدره وصغر قدر نفسه في الدين والدنيا عنده ، وأمثال ذلك كثيرة .
وليس كمثله في صغر القدر مثل بدو ابن آدم إذا تفكر فيه ، فصغر قدره عند نفسه ، كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم ، أخبره بذلك والده وكذبه في خبره ، فكانت نخوة الهاشمية في نفسه ، متعظم متكبر بحسبه ، يحقّر من دونه ، ويتفخر عليه ، لأنه لا يشكّ أن الذي حدثه به والده عن أصله وحسبه قد صدقه فيه ، فبينا هو في نخوته وكبره وتعظّمه ، إذ أتاه رجلان أو عدة رجال ممن يثق بهم ، ولا يشك في صدقهم ، أصدق عنده وأبر من والده عن علم ، يخبرونه عن كبر أسنانهم ، وقديم معرفتهم بأصله ، وأخبروه بينه وبينهم أنه من الخوز أو النّبط أو السند ، فصدّقهم ولم يشك في قولهم ، وأن أباه قد كذبه وأخبره بالباطل ، هل كان يمتنع أن يذل في نفسه ، وتنكسر تلك النخوة من قلبه ؟ وإن أظهر غير ذلك إذا أيقن أنه على خلاف ما كان يرى ويظن .
وكذلك ابن آدم ، يتكبر ويتعظم ، حتى كأنه ليس أصله التراب والنطفة
هامش
( 1 ) يعنى من غير أخذ رأيه أو مشاورته في شئ من ذلك .
( 2 ) هذه الجملة جواب الشرط في قوله « فإذا تذكر العبد . . . » .