الموت ، فيعاد كما كان بدء خلقه ، ميتا بعد أن كان حيّا ؛ ألم تسمع إلى قولهم :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
« 1 » ؟
أي كنا أمواتا في أصلاب آبائنا ، ثم أحييتنا ، ثم أمتنا بعد الحياة ، فيصير ميتا كما بدأ اللّه عز وجل خلقه ، فيعمى بعد البصر ، ويصمّ بعد السمع ، ويبكم بعد النطق ، وتقطع أوصاله ، ويصير جيفة تقذره الدواب والخلائق ، ثم يبلى فينخر عظمه ، ويصير ترابا ، إلا عجب الذّنب ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « يبلى من ابن آدم كل شئ إلا عجب الذنب » « 2 » .
فيصير ترابا ، فيرجع إلى أصله الذي خلق منه أبوه الأول ، فيصير معدوما بعد أن كان موجودا ، كما كانت الدهور قبله ، ولم يكن فيها شيئا مذكورا .
ثم يحييه اللّه عز وجل بعد طول البلى ، فيخرجه إلى أهوال القيامة ، فتحدق به كلها : من سماء ممزّقة ، وأرض مبدّلة ، وجبال مسيّرة ، ونجوم منتثرة ، وشمس وقمر مطموسين ، زفير جهنم في سمعه ، وركوب الصراط لابد له أن يركبه بضعفه ، ثم يعرض على مولاه ، فيسائله عن كل عمله ، ثم الحكم الذي وجب عليه أن يصرفه من بين يديه بعد السؤال إلى عذاب لا ينقطع ، في غاية الهوان والذل والخضوع ، فيصرفه إليه إن لم يعف عنه .
فإذا تذكّر العبد وتفكّر : كيف كان بدوه ، وما أصله وفصله ، وفي ضعفه ،
هامش
( 1 ) غافر : 11 .
( 2 ) عجب الذّنب : العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز . والحديث عن أبي هريرة ، أخرجه البخاري في التفسير 8 / 551 ( 4814 ) و 689 ( 4935 ) ، ومسلم في الفتن 4 / 2270 ، 2271 ( 2955 / 141 : 143 ) ، وأحمد 2 / 322 ، 428 ، 499 .