وناس بضعته التي وضع بها ، فتذكر وتفكر في العبودية أنه عبد ذليل مملوك ، لا يملك نفسه ولا ماله ، متوقع للمتالف أن يعترض بعضها له - أغفل ما كان - في لذّته وتقلبه ، وإن آخر مصيره إلى أن يتلف فيخرج من الدنيا ويزول عنه كل ما هو فيه ، هل كان يمتنع - إذا صدق نفسه عن الخبر بالذكر والتفكر في ذلك - من أن يذلّ في نفسه ويخضع لمولاه ، ويخشع له ، ولموضعه الذي وضعه به من الخوف للمتالف ؟ .
ومثل العاصي للّه عزّ وجلّ ، الذي وجب عليه العذاب في حياته ، كمثل عبد مملوك ، له سيّد شديد النقمة ، شديد السطوة ، وهو يملك الأرض ، لا يأمر بأمر إلا نفذ ، وقدر عليه ؛ فوكّله سيده بعمل ، ونهاه عن أشياء تفسد ذلك العمل ، وأعطاه مالا ينفقه على عمله ، فغفل وسها وجهل ، فضيع أكثر العمل فلم يعمله ، وعمل قليلا منه ، فأدخل فيه من الفساد والنقصان مما نهاه عنه مولاه ، وأنفق المال في لذّة نفسه وشهوتها ، وهو في ذلك مرح فرح بطر أشر متكبر يتقلب في لذاته ، غير مكترث لما ضيّع من عمل مولاه ، ولا ما أفسد مما عمل له ، ولا ما أتلف من المال الذي أعطاه ، فأتاه خبر صادق : أن مولاه مرسل إليه من يخرجه من كل ما هو فيه ، عريانا ذليلا ، حتى يلقيه على بابه في الشمس والحرّ زمانا طويلا ، معذبا بالشمس والحرّ ، حتى إذا بلغ ذلك منه غاية المجهود ، دعا به فعرضه عليه ، وأمره برفع حسابه ، ونظر في عمله ، ما ضيّع منه ، وما أفسد منه ، وما أتلف من ماله ، ثم يأمر به إلى سجن ضيّق وعذاب دائم ، لا يروّح عنه ساعة ، ولا يخرج من سجنه ذلك أبدا ، وقد علم أن مولاه قد أخرج كثيرا من عبيده إلى العذاب والهوان ممّن فعل كفعله ، وقد عفى عن بعض .
هل كان يمتنع مع هذا الحظر - إذا بلغه هذا الخبر فتفكر فيه وتذكر ، ولزم
الرعاية لحقوق الله — صفحة 511
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥١١