وتزداد الحلوة حلاوة ويكثر ماؤها بالحلاوة ، ويكثر ماء المرة بالمرارة .
فكذلك العلم ، تحفظه الرجال ، فتحوله على قدر هممها وأهوائها ، فيزيد المتكبر كبرا ، لأن من كانت همته الكبر فهو جاهل ، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبّر به فازداد كبرا .
وإذا كان الرجل جاهلا وهو يخاف من اللّه عز وجل ، ويعلم أن حجة اللّه تعالى له لازمة وإن كان جاهلا ، فإذا حفظ العلم وفهمه ازداد خوفا ووجعا ، كما قال معاذ : من ازداد علما ازداد وجعا . فإذا ازداد وجعا لعظم الحجة عليه لما علّمه اللّه عز وجل ، ازداد ذلّا وتواضعا ، وإشفاقا وخوفا . وإذا كانت همته وهواه الدنيا والتعظيم ، ازداد بالعلم كبرا وأنفا وحقرية لمن دونه ، وردّا على من مثله ومن فوقه ، كبرا وأنفا وحبّا للغلبة .
قلت : فما يعترض للعامل سواء أكان عالما أو لم يكن عالما ؟
قال : يحقر من دونه ممن لا يعمل مثل عمله ، سواء أكان أعلم منه أو أجهل منه :
إن كان أجهل منه قال في نفسه : مضيّع جاهل ، وإن كان أعلم منه قال في نفسه : الحجة عليه عظيمة ، وهو مضيع للعمل .
ويحقر من دونه في العمل ، وينظر إليهم بالازدراء ، أو يتعظم عليهم وينقبض عنهم ، ليبدؤوه بالسلام ولا يبدأهم ، ويبروه ولا يبرهم ، ويزورونه ولا يزورهم ، ويعودونه ولا يعودهم ، يريد أن يأخذ بفضله عليهم ، وينتهرهم ، ويستخدم من خالط منهم ويسخّرهم ، ويأنف إن وعظوه ، لأنه فوقهم في العمل ، وهم مضيعون مفرطون ، فإن بدأ أحدا منهم بالسلام ، أو ردّ عليه ، أو
الرعاية لحقوق الله — صفحة 488
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٨٨