والفكر في القلب والذكر .
قال : إن ذلك كله يثقل عليها ، لأنه وإن لم يكن لها متعبا فإنه مشغل لها عن محبّتها وهواها ، لأن راحتها في محادثة الخلق واستراحتها ، لتخرج ما يجول في القلب ، وكذلك غض البصر عن النظر إلى ما تهواه وتشتهيه ، كذلك الفكر والذكر بالقلب للآخرة شاغل عن النظر في راحة الدنيا والفكرة فيها ، فذلك يثقل عليها ، ويشغلها عن راحتها ومحبّتها .
فقد صح لأولي النهى أن ما نالت من البرّ والطاعة كان يخالف محبتها ؛ للتعب الذي يدخل عليها أو منعها من راحة أو لذة تنالها ، فهذا دليل بين وشاهد واضح عليها ، أن الذي أدخلها في خلاف محبّتها غيرها ، وهو مليكها المتفضل عليها بذلك ، فله الحمد والشكر وحده .
فإن رجعت إلى صاحبها بالدعوى منها : أنها هي التي عملته وانتحلته ، فحمدها على صبرها وقوّتها ، فليرجع إليها بهذه المعرفة التي يجدها في نفسه وطبعه ، وكفى بإخبار اللّه عزّ وجلّ عنها أنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب وتفضل به المولى . فليرجع إليها بهذه المعرفة ، وأنها مبطلة فيما تدعى ، مباهتة به ، وكيف جاز لها ادعاء ما كانت تحبّ خلافه ، ويثقل عليها فعاله ، وكانت جاهدة أن تصدّ عنه . فكيف تدعى أن منها ما كانت تأباه وتحرص على خلافه ، وتنازع بعد الدخول فيه إلى قطعه وترك تمامه ، فذلك منها بهت ، ومن تصديق العامل لها جهل وحمق .
قلت : فقد يجد العامل للّه عز وجل ، القوىّ العزم ، الزاهد في الدنيا ، المواظب على الطاعات نشاطا من نفسه للطاعة ، وشهوة منها لها ، لا تكاد تصبر عنها ، كأنها طبع منها ، بل قد يكون في بعض الحالات أكثر من الطبع ،
الرعاية لحقوق الله — صفحة 434
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٣٤