محاربون للّه عزّ وجلّ ولدينه ، لأجابك طائعا ، وأبغض الرجوع إلى بلاده .
فهي شرّ وأعجب عصيانا وإباء من الأسير ، إذ عصت بعد العلم بأنك إنما تدعوها إلى نجاتها وتجانب بها هلكتها ، وقد نجد بعض الأسراء مشبها لها في جميع أمورها ، لأنه قد يكون الأسير يعرف الإيمان وفضله ، كما وصف اللّه عزّ وجلّ به بعض أهل الكتاب ، أنهم يعرفون الحقّ ويجانبونه بعد العلم ، فقال :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
« 1 »
ووصف إبليس أنه اعترف له بالربوبية ثم عاند بعد علم ، وقال عز من قائل :
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ . يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ
« 2 » .
فكذلك هي : تأبى بعد علم وبيان ومعرفة ، فهي تساوى شرّ الأسارى ، وتوافق كل أسير جاهل أو عالم ، فلا فرق بينهما في الشبه من قبل الإباء والعصيان ، فالحمد للّه وحده ، والذمّ لها ، والحذر والخوف منها ، وترك الطمأنينة إليها ، لمعرفتك بها ، فمن عرف نفسه زال عنه العجب ، وعظم شكر الربّ عزّ وجلّ ، واشتد حذره منها ، والثقة والطمأنينة إلى المولى عزّ وجلّ ، والمقت لها ، والحب للمتفضل المنعم .
أرأيت لو صحبك صاحبان ، فأراد أحدهما - وأنت نائم - أن يرضخ رأسك بصخرة ، فأيقظك الآخر ، وقد أمسك يده على الصخرة وهو رافعها ليرميك بها ، فأراك ما همّ به ، وما أراد أن يغتالك به .
هامش
( 1 ) يونس : 94 ، وأوضح من ذلك دلالة على المقصود قوله تعالى :وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ( البقرة : 89 ) .
( 2 ) الأنفال : 5 ، 6 .