باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
قلت : فبم ينفى العجب بالدين حتى يسلم منه العبد ؟
قال : أما العجب بالحق والطاعة من العمل والعلم والرأي الموافق للحق والصواب ، فيذكر النعمة فيه ؛ أن ذلك بمنّة اللّه عز وجل وفضله ، ولولا منّته بذلك لما نال ذلك أحد أبدا من نفسه ، لأن النفس لو تركت لما فعلت ذلك ، ولا كان منها ، لأن محبتها كانت في خلاف ذلك حتى نبّه اللّه عزّ وجلّ العقل ، فقهر به هوى النفس ، وعزم له على الرشد ، فخالف محبة النفس وشهوتها ، لأن العبد لا يكاد يأتي برّا إلا وشهوتها في ضده ، إن قام الليل فشهوتها في راحتها من التعب ، وفي نومها فرارا من السهر ، وكذلك إن صام فشهوتها في الإفطار ، لما بنيت عليه من حب الغذاء : من الطعام والشراب ، وحبّها الراحة إلى النكاح وغيره .
وكذلك جميع أعمال الطاعات ، فلم تكن لتعمله لو تركت فيذكر ويعترف أنما العمل من اللّه عز وجل نعمة أنعم بها عليه ؛ لا ابتداء من نفسه ، وأن عليه في ذلك الشكر ، وأنه غير قائم بالشكر على ذلك ، مقصر عن شكره ، لم يستأهل ما منّ عليه به ، بل يستأهل أن يسلبه ، لتضييعه شكر نعم اللّه عز وجل عليه .
قلت : قد يكون من البرّ ما لا تعب عليها فيه ، كالسكوت عن الخوض في الباطل ، وكغض البصر ، وترك الغيبة ، وترك الخوض في الآثام والفضول ،