فرصة أو غرّة « 1 » فيرجع ويتركك ، ويرفض ما في يديه مما استرعيته من عملك أكنت له حامدا ، أو في أمره متزينا ؟
فكذلك نفسك قد كانت حريصة على الركون من قبل إلى الدنيا وإيثارها على الآخرة ، فكانت جاهدة أن تستأسرك بهواها ، فتكون به لها عاملا ، ولطريق نجاتك إلى الآخرة تاركا ، فأبى اللّه عز وجلّ إلا أن يوفقك ويسدّدك ، فقوّى ضعفك ، ونوّر قلبك ، وأعانك عليها ، حتى رفضت كثيرا مما تهوى ، وتركت كثيرا مما تحب ، وما انقادت إلى خلاف ذلك إلا بالكره والجبر ، ثم وهب لك زجرها ومعاتبتها ، وقوّى عقلك على هواها ، وعلمك على جهلها ، ووفّقك لدوام ترك إجابتها ، حتى أيست منك أن تنال محبّتها ، وانكسرت عما كنت عوّدتها ، فأجابت مسرعة على غير انقلاب من طبعها ، ولا تغيير عن غريزتها ، وأنت مع إجابتها لك متوقع لرجوعها ، تسأل الذي تولّى معونتك عليها ، وقهرها حتى انقادت لك طائعة بعد امتناعها - أن يديم ذلك لك ، ولا يسلبك : هو خشية أن يتبرى منك ، فتثب عليك ، فترجع بك إلى جميع ما تحبّ وتهوى ، فيكون في ذلك هلاكك في دنياك وآخرتك .
فهل تجد بينها وبين الأسير فرقا ؟ بل هي أشد بلاء من الأسير وأعظم فتنة .
قلت : قد أجد بينها وبين الأسير فرقا ، لأن الأسير لا يرى أن الخير فيما يراد به ، وهي قد علمت أن ما يراد منها خير لها في العاجلة والآجلة .
قال : فقد ساوت الأسير في مخالفته ، وفضلت عليه في الشر ، فإنها أبت وعصمت عن معرفة وبيان ، والأسير أبى وعصى عن جهالة وعمى ، ولعله لو علم ما يراد به من الإسلام والفرق بينه وبين الكفر ودار الحرب التي أهلها
هامش
( 1 ) الغرة : بكسر الغين : الغفلة .