والمصائب ، حتى يخيل إليك أنك من الراضين ، وتلك حال يرضى بها كل مؤمن وفاجر ، لأنها حال توافق محبة النفوس ، وليس عند هذه الحالة أريد منها الرضا ، وإنما ذلك العزم منها نية أن ترضى ، لا رضاء ؛ لأن الرضا بعد القضاء بنزول البلاء والمصائب ، فإذا نزلت مصيبة أو بلاء في بدنه ، أو ضيق في معاشه من شدة من شدائد الدنيا ، امتنعت من الرضا ، بل كانت هي التي تهيج للجزع والتسخط ، وتثبط عن الرضا ، وتصد عنه ، فلم تف بما وعدت ، وكانت هي التي تدعو إلى ما يكره اللّه عز وجل من السخط ، وتصد عن الرضا .
وكذلك تعطيك التوكل والثقة باللّه عز وجل ، ما واتتها الأسباب والدنيا ، وكفيت المؤونة ، فإذا جاءت حال يحتاج فيها إلى النظر إلى اللّه عز وجل لا إلى خلقه والأسباب التي دون اللّه عز وجل ، تعلقت بالأطماع ، وهاج رجاء المخلوقين وخوفهم ، ولزم القلب الاهتمام بالأسباب ، وظهر التصنع والتملق للخلق ، فغدرت بك حين احتجت إليها ، وكانت هي التي تصد عن التوكل وتثبّط عنه ، فإن أيقظك اللّه عز وجل لها ولمجاهدتها ، وذكّرتها موعدها ، وما تحملك عليه من نقض موعدها وخلف عزمها ؛ جاهدتك وامتنعت ، فإن حملت عليها بذكر الوعيد والوعد ، وذكّرتها نظر اللّه عز وجل وقيامه عليها وسؤاله غدا لها ، فتذكرت بعقلك ، استبان فيه اليقين ، وعظمت فيه المعرفة ، واشتدت فيه البصيرة ، فقهر ذلك هواها وغريزتها ، خلاف ما انقادت له .
فلما رأتك قد حلت بينها وبين الشر الظاهر والباطن ؛ طلبت الشر الخفي الغامض ، وانتشرت عليك بطلب الرياء لتتصنع به ، والعجب لتستريح إليه ،
الرعاية لحقوق الله — صفحة 406
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٠٦