يوم فقرك وفاقتك إليه ، تعطيك ذلك سخية غير ممتنعة ، فإذا عرض العمل هاجت هي بالدعاء إلى الدخول فيما وعدت أن تفرّ منه ، وامتنعت مما وعدت أن تقوم به ، وهاجت الشهوة بالرياء ، وامتنعت من الإخلاص ، وامتنعت مما يقبل به عملك ، ودعتك إلى ما يحبط به عملك في يوم فقرك وفاقتك .
أرأيت لو أنها وعدتك الرياء عند العمل ، والامتناع من الإخلاص عند العمل ، فأخبرتك أنها تريد بذلك حبط عملك ، حيث تحتاج إليه في يوم فقرك وفاقتك ، ألم تكن قد أنجزت ما وعدتك ؟
وكذلك تعطيك الورع في حال العدم ، وإنما ذلك نيّة الورع ، فتزعم أنها تدع ما يكره اللّه عزّ وجلّ حين تعرض للبلاء ، خوفا أن يغضب اللّه عليك ، فتستوجب العذاب وتحرم الثواب ، وأنها تمتنع من المعصية ، ترجو بذلك الأمان من العذاب ، والظفر بالفوز والثواب ، حتى إذا قدرت وامتحنت جاشت لشهوتها ، فطلبت ما زعمت أنها تدعه إذا عرض لها إشفاقا عليك من النار وحرمان الثواب ، وامتنعت مما زعمت أنها تقوم به من الورع رجاء الأمن من العذاب والظفر بالفوز والثواب ، فهل يقدر أعدى الأعداء لك إلا أن يعطيك من الأمن ما تغترّ به ، لتسكن فتطمئن ولا تحذره ، وتأمنه ، حتى إذا عرض ما وعدك أن يعطيك كان هو الذي يطلب هلاكك وعطبك ، لينال ما يريد ويشتهى .
وكذلك الزهد ، تعطيك قبل الملك ، حتى يخيل إليك أنك من الزاهدين حتى إذا ملكت الدنيا أو القليل منها هاجت منها الرغبة ، وكانت هي المطالبة والمنازعة إلى الرغبة ، والصادّة عن الزهد ، والمثبطة عنه ، فأخلفتك الموعد ، وكانت عليك في خلاف ما أعطتك .
وكذلك الرضا ، في حال الرخاء والعافية ، قبل وقوع القضاء بالبلاء
الرعاية لحقوق الله — صفحة 405
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٠٥