فلما نزلت بك النازلة خذلوك ، وطلبتهم فلم تجدهم ؛ علمت أنهم ليسوا معك ، ولكنهم غرّوك ، فبينا أنت متعجّب من خذلانهم وقلّة وفائهم ، إذ وثبوا هم عليك ، يعينون عليك عدوك ؛ لطال منهم تعجّبك ، واشتد منهم حذرك فيما يستقبل ، ولم تطمئن إلى موعد وعدوك به ، وإن سمعتهم الثانية يذكرون نصرتك عند الشدائد مقتّهم ، لما عرفت منهم .
فاعرف نفسك ، فإنك لم ترد خيرا قط ، مهما قل ، إلا وهي تنازعك إلى خلافه ، ولا عرض لك شر مهما قل ، إلا كانت هي الداعية إليه ، ولا ضيّعت خيرا قط إلا لهواها ، ولا ركبت مكروها قط إلا لمحبتها ، فحقّ عليك حذرها ؛ لأنها لا تفتر عن الراحة إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة ، فإن تيقظت للآخرة وتذكرتها وتفكرت فيها ، نازعتك إلى الدنيا وإلى الراحة بالتذكّر والفكر فيها ، والتمني لها ، فما تمت لك قط ركعتان لم تنظر فيهما في شئ من أمر الدنيا مما يشغلك عما أنت فيه ، ولا تمّت لك ساعة من أجزاء النهار بالفكر في الآخرة ، لمجاذبتها إياك عن ذلك ، ومنازعتها إلى الدنيا ، فإن غفلت عنها ركنت واشتغلت ، وإن تيقظت نازعتك لتشغلك عما أنت فيه من أمر آخرتك ، فهواها قاهر لعقلك ، يغفل عقلك وهي لا تغفل ، ويذكر عقلك وهي تنازعك ألا يذكر ، فلا يحلّ لك قتلها ، ولا تقدر على مفارقتها ، وهي بهذه المنزلة من العداوة لك .
فاعرفها واحذرها ، فإنك إن عرفتها ازددت منها حذرا ، وعلى ربك توكّلا ، وبه ثقة ، وإليه طمأنينة ، ولها بغضا ومقتا ، ولربّك عز وجل مودة وحبا ومنها إياسا وقنوطا ، ولربك عزّ وجلّ رجاء وأملا ، وللّه عزّ وجلّ بالنعمة والمنّة والتفضّل بما عملت اعترافا وإقرارا وشكرا ، وأنها منه بريئة .
الرعاية لحقوق الله — صفحة 408
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٠٨