لأنك لو صحبت صاحبين : أحدهما لا يحل لك قتله ولا تقدر على مفارقته : كالوالدة أو الوالد ، وله نهمة أن يصيب لذّته ويروح بدنه ، وإن أعطبت في ذلك ، فبينما أنت معه إذ غفلت فجاء بصخرة ليرضخ بها رأسك ، فأيقظك الآخر الذي معك ، وأمسك بيده ، حتى قمت إليه ، فأخذت الصخرة من يده ، ثم ألقيتها .
وكذلك لو صنع طعام فيه سم فنبّهك الآخر له حتى عرفته ، لازددت له بغضا ومقتا ، وللذي نبهك وفطّنك له مودّة وحبّا ، وللذي أراد بك القتل حذرا ، وعلى الذي نبّهك توكّلا وبه ثقة ، وانقطع رجاؤك ممن أراد أن يكيدك ، واشتد أملك ورجاؤك للذي أيقظك ونبّهك ، وانقطع عنك العجب لفطنتك به وتخلصك من شره ، وأقررت بالنعمة والتفضّل للذي نبهك وأيقظك ، حتى امتنعت من مكائد عدوك الذي أراد أن يكيدك .
فالعدو الذي أراد مكيدتك نفسك ، والذي أيقظك ونبّهك ربّك عزّ وجلّ ، فكم من بلاء أرادته بك ونازعتك إليه ، وهممت به أو فعلته ، فنبّهك اللّه عزّ وجلّ عليه ، فتركته ولم تركبه ، وما ركبت منه ندمت عليه وتبت إليه .
فإن عرفتها ازددت للّه عزّ وجلّ حبّا ومودّة ، ولها بغضا ومقتا ، وعلى اللّه عزّ وجلّ توكلا وثقة ، ومنها إياسا ، وإلى اللّه عزّ وجلّ طمأنينة ، ومنها حذرا ووجلا ، ولم تعجب بما عملته ، ولم تضفه إلى نفسك ، إذا كانت محبّتها في خلاف ما عملت من الخير ، ومحبّتها فيما تركت من الشر ، ولو تركت إلى محبّتها صارت إليها . فالذي أيقظك وأعانك على خلاف محبّتها غيرها ، وهو اللّه عزّ وجلّ .
فاعرفه عزّ وجلّ ، واعرفها ، فإنك إن عرفتها صدقتها ، وإن صدقتها ولم
الرعاية لحقوق الله — صفحة 409
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٠٩