عليها غيره ، كيف كان حبّه الحامد ، إذا أحبّه للّه عز وجل ، وبغضه الذامّ إذا أبغضه للّه عز وجل ؟ ويحمل قلبه على أن يدين اللّه بمثل ذلك سواء .
قلت : فالطبع لا يستوي فيه حمده وحمد غيره ، وذمّه وذم غيره .
قال : أجل ، ما أقل ذلك ! ولكن يتديّن بعقله وعلمه أن يحبّه ويبغضه على نحو مما يبغض من يذم غيره ويحبّ من يحمد غيره ، ويكون رادّا على هواه ، كارها للفضل بينهما كما يكره منازعة النفس ومخالفتها بين الحمد والذم ، إذا استوى ذلك عنده ، من قبل تدينه بعقله لربه عز وجل .
وكذلك يستويان عنده في الحب والبغض للحامد والذام لغيره والحامد والذام لنفسه ، ويكره ما نازع من الطبع من الزيادة والفضل بينهما التي تنازع الطبع إلى التفرقة بينهما ، وإذا فعل ذلك فقد دان اللّه بالحب والبغض للمطيعين والعاصين ، ودان اللّه عز وجل بالتهاون بحمد المخلوقين وذمهم ، فاستوى ذلك عنده ، وما خالف هذين بالمنازعة من قبل هواه كرهه ولم يركن إليه ، كما أمر بنهي النفس عن الهوى .
قلت : إن الإخلاص منزلة شريفة لا يبلغ مثلي إليها ، لأنها منزلة الخاصة ، وأنا مخلّط .
قال : ما أحد أحوج إلى الإخلاص من المخلّط ! لأن المتقي لو حبط تطوعه كله نجا بتقواه ، والمخلّط إنما يكتمل بتطوعه فرضه « 1 » ، فإن حبط تطوعه بقي فرضه ناقصا ، فهلك إلا أن يعفو اللّه عز وجل ، بعد أن يلقى اللّه عز وجل على توبته من الرياء .
هامش
( 1 ) كما جاء في حديث تميم بن أوس الداري ، وأبي هريرة : « يحاسب العبد يوم القيامة ، فإن نقص فرضه قيل : انظروا هل له من تطوع . . . » الحديث سبق تخريجه ص 202 .